عرفت الإنسانية منذ أقدم عصور الفكر ثلاث قيم كانت تعدها أهدافا ينبغي أن يسعى الإنسان إلى تحقيقها في نفسه وفي العالم المحيط به بكل ما يملك من طاقات: هي قيم الحق والخير والجمال. وكان هذا التقسيم الثلاثي للقيم الإنسانية الكبرى مبنيا على نظرة متكاملة إلى طبيعة الإنسان الروحية، التي لا تكتمل مقوماتها إلا إذا كرس الإنسان حياته من أجل اكتساب الحقيقة في العلم، وتوخى الخير في التعامل مع الغير، وبحث عن الجمال في الطبيعة والفن، وهكذا كانت هذه القيم الثلاث تناظر ثلاثة أنواع رئيسية من النشاط الروحي للإنسان: العلم والأخلاق والفن، وإذا كانت ضروب النشاط هذه جديرة بسعي الإنسان واهتمامه حتى تتكامل شخصيته، فإنها في الوقت ذاته تعبر عن ثلاثة مسالك متباينة، لكل منها طابعه الخاص، مع تضافرها جميعا في تكوين شخصية الإنسان. وهذا معناه أن البحث عن الحقيقة شيء، والبحث عن الجمال شيء آخر، وأن الإنسان إذا كان يستهدفهما معا، فإنه يسلك لكل منهما طريقا مستقلا، لا يكون فيه مجال للالتقاء بينهما.
هكذا تطرح المشكلة تقليديا على أساس أن الحقيقة لا تتداخل مع الفن، وأن كليهما ضرب مستقل من النشاط الروحي للإنسان، ولو أننا حللنا طبيعة كل نوع من نوعي النشاط هذين لوجدنا مبررات قوية لهذا الفصل التقليدي بين الحقيقة والفن؛ فحين نمعن النظر في طبيعة البحث عن الحقيقة، ونقارنه بالبحث عن الجمال، نستطيع أن نجد بينهما فوارق أساسية، سوف أبدأ مقالي هذا بالإشارة إلى أهمها: • حين نبحث عن الحقيقة نتجنب - قدر استطاعتنا - استخدام الخيال. بل إن الحقيقة والخيال - في تعبيراتنا الشائعة - ضدان لا يجتمعان وحتى حين نقول: «إن الحقيقة قد تكون أغرب من الخيال.» فإن هذا القول - الذي يبدو ظاهريا أنه يقرب الحقيقة من الخيال في مجال الغرابة والخروج عن المألوف - يؤكد بطريقة ضمنية وجود تضاد أساسي بينهما؛ على أن الخيال هو دعامة الفن، وهو الملكة الأساسية التي نمارسها فيه. وفي مقابل ذلك فإننا - في سعينا إلى الحقيقة - نستخدم ملكة الاستدلال العقلي، وإذا استخدمنا الحواس في المشاهدة والملاحظة فإنا نحرص على أن تكون حواسنا، أو امتداداتها في آلات الرصد أو التكبير أو التصغير، مطابقة للواقع وملتزمة به التزاما كاملا، ولو فعل الفنان ذلك لضاع منه كل ما هو مميز له؛ إذ إن الالتزام بالواقع - الذي هو فضيلة في حالة السعي إلى الحقيقة واكتساب العلم - يغدو مظهر نقص وعلامة ضعف حين يكون هدفنا هو خلق عمل فني يتسم بالجمال؛ فالفنان صاحب خيال واسع قبل كل شيء، أو لنقل على الأصح: إن الحد الفاصل عنده بين الخيال والواقع يختفي لكي يحل محله تداخل وتشابك بينهما، فهو ينظر إلى الواقع بعين الخيال، ويضفي على صوره ورؤاه الخيالية كيانا واقعيا، ويجسم أخيلته كما لو كانت حقائق فعلية تروح وتجيء على مسرح الحياة.
ويترتب على الفارق السابق أن سعي الإنسان إلى الحقيقة يجعله مقيدا وملتزما بما هو موجود، على حين أن سعيه إلى الجمال من خلال الخيال هو سعي حر طليق؛ فالعالم الذي يبحث عن حقائق الأشياء لا بد له أن يخضع لنظام صارم دقيق، يتخلى فيه عن أهوائه وعن ميوله الذاتية لكي يدرس الظواهر كما هي، لا كما يريدها أن تكون. وبعبارة أخرى: فإنه يخضع عقله لطبيعة الظاهرة التي يدرسها، ويدربه على أن يراها على ما هي عليه؛ بحيث يكون قانون الظاهرة نفسها هو هدفه ومبتغاه، وعلى العقل أن ينحني دائما أمام الضرورة الحتمية الكامنة في الأشياء.
أما الفنان فقانونه الوحيد هو الحرية، وهو يتعمد أن يخالف النظام الفعلي للأشياء ويصورها على نحو مغاير لما هي عليه بالفعل. وربما خلق لنفسه - في مجال فني معين - عالما خاصا به، يخالف كل من هو موجود في عالم الطبيعة؛ فالفنان الموسيقي مثلا يخلق لنفسه عالما خاصا من الأصوات المتآلفة، عن طريق الآلات الموسيقية، التي تصدر عنها أصوات لا وجود لمثلها في الطبيعة، ويتحرر بذلك من قيود الصوت الطبيعي، الذي هو عادة خشن محدود، يسير على وتيرة واحدة؛ لكي يخلق لنفسه عالما كاملا من الأصوات المتآلفة، ذات الإمكانات الهائلة، ويتحرك في هذا العالم بحرية تامة يتجاوز فيها كل ما تقدمه إليه الطبيعة.
وبالمثل فإن الشاعر أو الروائي حين يمسك بقلمه وأمامه صفحة بيضاء لم يبدأ بعد في تدوين شيء فيها، يكون في موقفه هذا رمزا لحرية الفنان الكاملة؛ فالورقة أمامه خالية من كل شيء، وهي لا ترغمه على أن يكتب فيها شيئا بعينه. بل إن له الحرية التامة في أن يكتب أي شيء، أو في ألا يكتب شيئا، إنه يستطيع أن يخلق على الورق عالما كاملا من صنعه هو، دون أن يقيده أو يحد من حريته شيء، فهو في هذا المجال السيد الأوحد الذي لا يخضع لقانون، وشتان ما بين موقفه هذا وموقف العالم الذي تقيده قوانين الطبيعة الثابتة، ولا يتحرك عقله إلا في عالم من الضرورة والحتمية لا يملك إلا أن يعبر عنه كما هو دون أن يضيف إليه من عنده شيئا . • في هذا العالم الذي تسوده الضرورة الشاملة، يتعين على من يسعى إلى كشف الحقيقة أن يكون موضوعيا في تفكيره، موضوعيا في نظرته إلى الظواهر التي يبحثها؛ فالعالم الذي ينشد الحقيقة ينبغي عليه أن يتخلى عن أهوائه وميوله الذاتية. بل إنه قد يجد لزاما عليه أن يسير في طريق «مضاد» لذلك الذي يتجه ميله إليه، وكم من عالم تخلى عن فرض أثير لديه كونه بعد مشقة وجهد استغرق منه سنوات عديدة من البحث والتفكير؛ لأن «واقعة» بسيطة ظهرت أمامه وكذبت هذا الفرض، ولو ترك نفسه على سجيتها لتجاهل هذه الواقعة العنيدة كيلا يتخلى عن نتاج عمله الشاق. وهذا بالفعل ما قد يفعله عالم ضئيل الشأن. أما العالم الكبير فإنه يرفض أن يتجاهل ما هو مضاد لتفكيره، بل يوليه اهتماما كبيرا، ولا يجد غضاضة في أن يراجع خطواته السابقة كلها، ويبدأ طريقه الشاق من جديد إذا تأكد أن الفرض الذي كونه يتعارض مع أبسط الوقائع، وهكذا يعود العالم نفسه على الموضوعية، ويتخذها قاعدة أساسية لأخلاقه العلمية.
وبالمثل فإنه يتخذ موقفا موضوعيا إزاء الظواهر التي يبحثها، والتي توجد خارجه، فهذه الظواهر كلها في نظره متساوية، بمعنى أنه لا يقحم تفضيلاته الشخصية وميوله الذاتية عند بحثه عن حقيقة الأشياء، ولو وجد شخص يبدي اهتماما خاصا ببحث نبات معين؛ لأنه يفضل لون زهرته مثلا، لما كان في سلوكه هذا عالما بالمعنى الصحيح؛ فالبحث عن الحقيقة يستلزم وضع الظواهر على قدم المساواة في صف أفقي لا تعلو فيه واحدة على الأخرى إلا بقدر ما تفيد في الكشف عن القانون العام الذي يحكمها.
وعلى العكس من ذلك نجد الفنان - بالقياس إلى العالم - منحازا عاطفيا وربما هوائيا، وكم من فنان عظيم - وخاصة في عصرنا الحاضر: عصر أجهزة الإعلام المنتشرة على نطاق عالمي - يفرض على الناس نزواته الخاصة ويتناقلها هؤلاء الناس دون أي استياء، وكأنها جزء مما يدينون به لفنه العظيم، وبالمثل فهو في معالجته لموضوعاته لا يضعها أبدا على قدم المساواة، بل إنها تتخذ أمامه ترتيبا رأسيا، ويكون لبعضها عنده أفضلية مؤكدة على البعض الآخر. وهكذا يحل «التفضيل» في كل سعي إلى الجمال الفني محل «الموضوعية»، وتختفي المساواة بين الظواهر؛ لأن الفنان بطبيعته منحاز. بل إن متذوق الجمال ذاته يتخذ من «التفضيل» معيارا أساسيا، فهو لا يقيس الأعمال الفنية بالمقاييس المتعارف عليها في العلم، وإنما يضعها في ترتيب هرمي، ولا يقبل أي اعتراض على هذا الترتيب؛ لأن الأذواق - في رأي الكثيرين - لا مقياس لها، وما يفضله الواحد قد لا يكون مفضلا عند الآخر، دون أن يكون لأي منهما الحق في أن يفرض تفضيلاته الخاصة على الآخر. • ولعل أحدا لا ينكر أن سعينا إلى الحقيقة لا يصل إلى غايته إلا إذا استطعنا أن نستخلص من الظواهر قانونها العام؛ فالعالم الذي ينشد معرفة خصائص السوائل - مثلا - لا يهمه هذه الكمية المحددة من السائل أو تلك، وإنما يتجه جهده إلى استخلاص نتائج عامة عن طبيعة السوائل كلها، كأن يعرف - على سبيل المثال - لماذا هي مرنة على حين أن الجوامد صلبة؟ ولماذا تنتشر فيها الحرارة بشكل متساو؟ إلخ، ولقد أدرك المفكرون والفلاسفة هذه الحقيقة منذ أقدم العصور، فقال أرسطو كلمته المشهورة: «لا علم لا بما هو عام»، وظل من السمات الأساسية للعلم منذ ذلك الحين أن العالم يترك الحالات الفردية والجزئية والصفات العرضية جانبا، ويستبقي من الظواهر ما هو مشترك بينها. ولا جدال في أن هذا العنصر المشترك سيكون شيئا أقرب إلى التجريد؛ إذ أن القانون العام للظاهرة لا بد أن يكون ذا طبيعة مجردة، تتخذ في أغلب الأحيان صبغة رياضية.
وعلى العكس من ذلك نرى الجمال الفني لا يتمثل في شيء فردي ملموس؛ فالعمل الفني يصور موضوعا معينا، وحتى لو كان ذلك العمل ينتمي إلى الاتجاه التجريدي المعاصر، فإن هذا التجريد يتخذ بدوره صبغة ملموسة، بدليل أنه يعبر عن نفسه من خلال خطوط أو أشكال أو مساحات لونية محددة ندركها بحواسنا.
وهكذا تختلف الحقيقة عن الجمال في أن مقر الحقيقة هو العقل، على حين أن الجمال يتمثل فيما ندركه بحواسنا؛ أي في موضوع محدد ملموس يقع خارج الإنسان.
وأخيرا، فإن العالم الباحث عن حقيقة الأشياء يجد نفسه مضطرا إلى القيام بتحليل لموضوعات بحتة وتجزئتها إلى عناصرها الأولية، كيما تصبح مفهومة على نحو أفضل؛ فالظواهر التي يبحثها العالم لا تظل على ما هي عليه في الطبيعة، وإنما يقوم بتحليلها عقليا أو ماديا على نحو تفقد معه طابعها الأصلي، وقد يصعب علينا أن نتعرف عليها بعد أن فقدت وحدتها الأصلية، وأصبح الكل المتماسك مجموعة من العناصر المفككة. غير أن هذا التفكيك والتجزيء شيء لا بد منه لكي يتمكن العالم من فهم الظواهر المعقدة المتشابكة؛ إذ إن تحويل الشيء المعقد إلى بسائطه هو الذي يتيح معرفة تركيبه بدقة، والوصول إلى القانون المتحكم فيه.
Shafi da ba'a sani ba