Ƙidaya da Gina Dan Adam
الأعداد وبناء الإنسان: العد ومسار الحضارات الإنسانية
Nau'ikan
فإنها لا تتضمن عادة كلمات تعبر عن الكميات التي تزيد عن 100 أو 200، أو غير ذلك من مضاعفات 10 و20. والواقع كما سنرى في القسم التالي، أن سقف المصطلحات الدقيقة الأصلية التي تعبر عن الأعداد في العديد من اللغات في أستراليا والأمازون وغيرها من الأماكن أقل من عشرة.
من هذا الاستعراض المختصر يمكننا أن نتوصل إلى بعض الاستنتاجات العامة عن الأعداد في الحديث؛ أولا: أنها تنتشر في جميع لغات العالم تقريبا؛ فبالرغم من أننا لم نستكشف سوى جزء صغير من الأمثلة الممكنة من تلك اللغات، فإن هذه الأمثلة توضح أن مفردات الأعداد الأساسية هي عامل مشترك بين العديد من اللغات غير المترابطة التي تتوزع على مناطق جغرافية بعيدة عن بعضها البعض. وثانيا: أن هذه المناقشة قد وضحت أن مفردات الأعداد في اللغات غير المترابطة غالبا ما تعكس تشابهات صارخة؛ إذ إن معظم اللغات توظف نموذجا بيولوجيا يستند إلى أعضاء الجسد، يتضح في أساسات أعدادها. ثالثا: أن الأدلة اللغوية توضح أن النموذج القائم على أعضاء الجسد لم يشجع على ابتكار الأعداد على مستوى العالم فحسب، بل هو يمتد أيضا إلى أبعد ما تأخذنا إليه البيانات اللغوية في التاريخ؛ إنه يتضح في إعادة بناء اللغات السالفة مثل اللغة الصينية التبتية الأولية، واللغة النيجيرية الكونغولية الأولية، واللغة الأسترونوزية الأولية، واللغة الهندية الأوروبية الأولية، وهي اللغات التي أصبحت اللغات المشتقة منها هي الأفضل تمثيلا في العالم اليوم.
إن أجسامنا تؤدي دورا بارزا في أنماط تفكيرنا، وفي كيفية فهمنا للعالم حولنا. ويتضح هذا التأثير الجسدي على التفكير في الكثير من الأبحاث الحالية في علم الإدراك، بشأن كيفية تشكيل جسدنا لعملياتنا الإدراكية، وهو ما يعرف باسم الإدراك التجسيدي. والتفكير الكمي الأساسي مثال ممتاز على الإدراك التجسيدي؛ إذ إننا نفهم الكميات من خلال أجسادنا. (وسوف نشرح هذه النقطة بقدر أكبر من التفصيل في الفصل الثامن.) ومثلما رأينا في الفصل الأول، يبدو أن البشر قد واجهوا صعوبة في فهم مرور الوقت بدون استخدام أجسادهم وكذلك الحيز المحيط بها، بصفتها أساسا مجازيا راسخا للتفكير بشأن الوقت. وبطريقة مشابهة، فإن استعراضنا لمفردات الأعداد الأساسية في العالم، يدل على أن الطريقة الأولية التي نستخدمها في فهم الكميات المجردة، هي من خلال أصابع يدينا وقدمينا، لكنها أصابع يدينا هي التي نستخدمها بصفة أساسية.
قد يبدو كل ذلك واضحا للغاية من بعض الجوانب؛ فبالرغم من كل شيء قد استخدمنا جميعا أصابعنا في العد في صغرنا، ولا نزال نفعل ذلك في بعض الأحيان. غير أننا كثيرا ما نقلل من أهمية الأساس المادي للأعداد، لا سيما على ما أعتقد في ضوء وجود نموذج أجزاء الجسم في جميع الأعداد المنطوقة بالعالم. إن هذا الانتشار في كل مكان يدل على أن مفردات الأعداد هي ابتكار قد انبثق نتيجة الارتباط بين أصابعنا وبين الكميات التي يمكن أن تستخدم في تمثيلها (وسوف نناقش هذه النقطة بالمزيد من التفصيل في الفصل الثامن). وبدلا من ذلك يمكننا أن نرى أن الأعداد مفاهيم مستقلة، ربما تكون متأصلة في العقل البشري، وما نستخدم أصابعنا إلا لتسمية هذه المفاهيم. ومثلما سنرى في الفصل الخامس، فإنه من الصعب لهذا الرأي أن يصمد في وجه الأدلة التجريبية بشأن وجود شعوب لا تعرف الأعداد. غير أنه يجدر بنا أن نشير هنا إلى أن طبيعة مفردات الأعداد، التي نجد أنها تستند إلى الأصابع في لغات العالم، يجب أن تستوقف هؤلاء الذين يعتقدون أن الأعداد مفاهيم متأصلة تنتظر التسمية فحسب. فمن المؤكد أنه إن كانت الحال كذلك لما اعتمدنا في معظم الأحيان على أصابعنا لتسميتها، ولوجدنا في لغات العالم جميع أنواع الأساسات المختلفة التي ما كانت لتدل على الاستخدام التاريخي للأصابع. إن الأدلة المتعلقة بمختلف اللغات وحدها تؤيد الرؤية القائلة بأن الأعداد أدوات مفاهيمية، لا مجرد أسماء اخترعناها بعد أن فهمنا الكميات من خلال أصابعنا.
15
إن اختراع الأعداد ممكن للعقل البشري، لكنه قد أصبح ممكنا من خلال الأصابع؛ إذ تقترح البيانات اللغوية، القديمة منها والحالية، أن الأعداد قد ظهرت في الثقافات المختلفة بصورة مستقلة، وفي مناسبات غير محددة، عن طريق إدراك البشر أن بإمكانهم استخدام الأيدي لتسمية الكميات مثل 5 و10. يمكن استخدام الأصابع للإشارة إلى الكميات، وقد اكتشف العديد من الأشخاص فائدة ذلك، غير أن الأصابع محدودة من الناحية الرمزية، ولا تمثل وسيلة مجردة تماما للتعبير عن الكميات. أما الكلمات فهي أدواتنا الملائمة للترميز المجرد، ولحسن الحظ أنه يمكن استخدامها للإشارة إلى الكميات، غير أنها لا تستخدم عادة إلا بعد أن يؤسس الأفراد بين أصابعهم والكميات تطابقا متجسدا ملموسا بدرجة أكبر. إن اختراعنا للأعداد متأصل في أجسادنا، ثم في أصابعنا التي مكنتنا من اشتقاق رموز مجردة تماما للتعبير عن الكميات، وهي مفردات الأعداد. وهذه الرموز المجردة يمكن أن تنتقل إلى الجماعات البشرية وفيما بينها ويتعلمونها بسهولة، وقد أصبحت تلبي مجموعة كبيرة من الاحتياجات؛ فهي أدوات لفظية ومفاهيمية حقة.
دوافع أخرى لتصنيف الكميات في مجموعات
بالرغم من الانتشار الواسع على مستوى العالم للأنظمة العددية التي تعتمد ضمنيا أو صراحة على الأصابع البشرية، يمكن أن تتأسس الأعداد أيضا على عوامل أخرى. علاوة على الأنظمة الخماسية والعشرية، توجد الأنظمة الثنائية أيضا؛ ففي حالة الجاراوارا على سبيل المثال، رأينا قدرا من تأثير النظام الثنائي في الأعداد الصغيرة، وفي نظام الأعداد التقليدي الذي كان يستخدم ذات يوم في جزيرة مانجريفا، نجد أنه كان يستخدم نظام ثنائي أكثر تعقيدا، كما سنرى في الفصل التاسع. وإضافة إلى النظام الثنائي أو الأعداد التي تستند إلى الأساس 2 والتي توجد في بعض الثقافات، نجد أن أساسات أخرى تتضح في بعض الثقافات، ومنها الأساس الثلاثي (الأساس 3) والرباعي (الأساس 4) والسداسي (الأساس 6) والثماني (الأساس 8) والتساعي (الأساس 9). وعلاوة على ذلك، فإن بعض الثقافات تستخدم الأساس الاثني عشري (الأساس 12)، أو كانت تستخدمه، وكان غيرها يستخدم الأساس الستيني (الأساس 60). وكما أشرنا في الفصل الأول، فإن استخدام النظام الستيني على يد السومريين أولا، ثم البابليين من بعدهم، هو السبب في أننا لا نزال نقسم الساعات إلى دقائق، والدقائق إلى ثوان.
ومن المثير للاهتمام أن الأساس الثماني والاثني عشري والستيني، قد يكون منبثقا من الأيدي البشرية كذلك، وإن كان ذلك بطرق أقل وضوحا مما هي عليه في المجموعات الخماسية والعشرية. فبالرغم من أن البشر يمتلكون عشرة أصابع في اليدين، فليست كل الطرق المعروفة للعد على الأصابع تستند إلى المطابقة بين الأصابع والكميات؛ فثمة طرق أخرى لتمثيل الكميات من خلال ترتيبات مختلفة لليدين. وهذه الترتيبات البديلة، وإن كانت أقل وضوحا، هي السبب بصورة جزئية في وجود اختلاف فيما بين الثقافات بشأن الكيفية التي يعد بها الناس على أصابعهم. ومن الأمثلة الغريبة على ذلك أحد الأنظمة الهندية التي يستخدمها التجار في العد على أصابعهم . وفي هذا النظام تمثل أصابع إحدى اليدين الوحدات المفردة، أما أصابع اليد الأخرى فتمثل مضاعفات الخمسة؛ ومن ثم فإن إصبعين على يد زائد ثلاثة أصابع على اليد الأخرى تمثل الكمية 17 (2 × 1 + 3 × 5) وليس 5.
الفراغات الموجودة بين الأصابع يسهل عدها أيضا، والواقع أن عدد الفراغات في اليدين قد يكون هو السبب في ظهور الأساس الثماني (العدد 8) النادر. أو فلنتأمل الأساس 12، أو النمط الاثني عشري؛ حيث يوجد اثنا عشر خطا متجاورا على أصابع اليد الواحدة فيما عدا الإبهام (خط في كل عقلة)، ويمكن استخدام هذه الخطوط بمثابة علامات بارزة للإشارة إلى الكميات، من خلال عدها بإصبع من اليد الأخرى. (انظر الشكل
Shafi da ba'a sani ba