ومن اللغو كذلك أن يقال كما قال بعض المستشرقين: إنه يكره الإشارة إلى الطلول في مطالع القصائد ولعا منه بالتجديد، ونفورا من القديم.
فما كان ينعي على الشعراء بكاء الطلول إلا لينعي من وراء ذلك معيشة البادية على أهلها أجمعين، وبهذه النزعة كان يكثر من التعريض بالعرب العدنانيين، والفخر بالعرب القحطانيين، ولم يكن له نسب ثابت في هؤلاء ولا هؤلاء، وقد كان من شعراء عصره من لهم نسب ثابت في اليمن أو نسب ثابت في الحجاز، فلم يجعلوا هذا النسب هجيراهم كما جعله أبو نواس، وإنما أغراه بالخبط في هذا المعرض الشائك أنه كان مسعر النار في عصره، وكانت النفوس تستثار به حيث لا تستثار بغيره، فقد أطاح النزاع بين القبائل بالدولة الأموية، وأطاح هذا النزاع بالخليفة الأمين في دولة العباسيين، وخيفت العصبيات يومئذ أشد ما تخاف في حقبة من الحقب، ومن هنا كان أمر الخلفاء له بذكر الطلول كما قال:
دعاني إلى وصف الطلول مسلط
لقد ضقت ذرعا أن أجوز له أمرا
ولم يكن هذا الأمر تأييدا منهم لمذهب من مذاهب الأدب على سواه، ولكنه كان اتقاء للشغب وإبعادا لباب الخصومات والعصبيات، ولو لم تكن المسألة مسألة عرض وإظهار عند صاحبنا لما عناه رأي الأقدمين ولا رأي المحدثين، فقد كان ينحو في الطرد والغزل والمدح والهجاء منحى الشعر القديم، ويلهج بمحاكاته على نمط لم يؤثر عن أحد من نظرائه ومعاصريه.
ومن تغلغل هذه اللازمة في خليقته - لازمة العرض والإظهار، والتحدي بالمخالفة - أنه جعل الصلاح تهديدا لإبليس في قصيدته التي يقول منها:
لما جفاني الحبيب وامتنعت
عني الرسالات منه والخبر
واشتد شوقي فكاد يقتلني
ذكر حبيبي، والحلم والفكر
Shafi da ba'a sani ba