غرسوا من ذكائها خير غرس
أيدوا ملكنا وشدوا قواه
بكماة تحت السنور حمس
وأراني من بعد أكلف بالأشرا
ف طرا من كل سنخ وأس
فهذه القصيدة ليست نزعة شعوبية من البحتري كما يرى بعضهم، ولكنها - فيما أرى - حسرة على عهد الفرس بعد أن رأى عهد الأتراك، وبكاء على عصر كان الفرس فيه يحتفظون بأبهة الخليفة وعظمته، ويعملون ما عملوا في خدمته، وألم من عصر الأتراك الذي محوا فيه سلطة الخليفة وسلبوه سلطانه، وأخضعوه لإشارتهم، وجعلوه تابعا لأمرهم ونهيهم، وأخيرا فعلوا فعلتهم الشنعاء فقتلوه أشنع قتلة، ولم يرعوا له ولا للخلافة أية حرمة.
وقد خلف لنا الجاحظ رسالة في موضوع العصبية عند مجيء الترك، وهي رسالة كتبها للفتح بن خاقان التركي في مناقب الترك، تمثل لنا أصدق تصوير العصبية بين الجنود المختلفة لما جند الأتراك، وما يقال عن الجنود يصح أن يقال عن غيرهم. وقد ذكر في هذه الرسالة أنه ألفها أيام المعتصم جالب الأتراك، وأنه أراد أن يوصلها إليه فلم تصل، لأسباب يطول ذكرها، ولم يبين لنا شيئا من هذه الأسباب، والظاهر أنها لم تصل إليه؛ لأن من كان في قصر المعتصم من الفرس والعرب عملوا على ألا تقع في يده فتعظم عصبيته للترك.
ويظهر أنه أعاد كتابتها من جديد على ضوء ما كان من عظمة الترك، وقدمها للفتح بن خاقان وزير المتوكل، وكل قوم من الجند في ذلك العصر كان لهم أدباء وعلماء ومتحدثون، يتكلمون في مناقب قومهم وميزتهم عن غيرهم. أما الأتراك فلم يكن لهم شيء من ذلك، فتعاون الفتح بن خاقان والجاحظ على أن يسدا هذا النقص، ويبينا مناقب الترك؛ فكتب الجاحظ رسالته في ذلك وحكى فيها بعض أقوال الفتح. وقد استعمل الجاحظ عقله وقلمه وفلسفته في إعلاء شأن الترك؛ تقربا لذوي النفوذ، وإظهارا لمزيته البلاغية، بقطع النظر عن كونه يعتقد ما يقول أو لا يعتقد.
والرسالة قيمة جدا من ناحية حكاية ما كان يجول بخاطر الجند على اختلاف أنواعهم ونوع عصبيتهم. ويقول فيها إنه لا يريد أن يذكر مناقب الأتراك ويتبعه بمعايب غيرهم، بل يكتفي بذكر المناقب قصدا إلى الألفة وتوحيد القلوب، ولكنه بسط مناقب الترك وبالغ في إعلاء شأنهم، وأسبغ عليهم، بقلمه السيال وأسلوبه الواسع؛ عظمة وأبهة تكفيان في إشعار القارئ أن الترك أعظم جند، وأشجع قوم؛ فهو بهذا الأسلوب الماكر رفع من شأن الترك، ووضع من غيرهم تحت ستار الدعوة إلى الألفة.
حكى في صدر الرسالة حكاية الفتح بن خاقان من أنه سمع رجلا يقسم الجند في عهد المتوكل إلى أقسام: خراساني، وتركي، ومولي، وعربي، وبنوي.
Page inconnue