فأكل زيتون وناصر البسكوتتين والجبن، وأعطيا الباقي لتود وروني.
ومع حلول الظلام كان الصوت الهادر من خلفهم يتضخم في آذانهم، كان زيتون قد أصابه الإرهاق ولكنه كان واثقا بأن ذلك المحرك سوف يكفل نفي النوم عن عيون الجميع، كان قد سبق له العمل في السفن من قبل، وفي غرف المحركات، ولكن هذا الصوت كان أعلى، كان أعلى من أي شيء عرفه في حياته، وفي وهج الضوء الغامر من الأضواء الكاشفة كان يشبه أتونا عظيما يصدر الأنين وذا شهية لا تشبع.
وقال زيتون لناصر: «نستطيع أن نصلي.»
ولمح عين ناصر وأدرك ما يدور بخاطره، كان لا بد لهما من إقامة الصلاة، بل إنها كانت فرضا عليهما القيام به خمس مرات كل يوم، ولكن ناصرا كان متوترا. ترى هل تثير صلاتهما مزيدا من الريبة؟ هل يكون جزاؤهما السخرية أو العقاب على الصلاة؟
ولم يجد زيتون منطقا يمنعه من الصلاة، حتى وهو حبيس قفص في الهواء الطلق، فقال لناصر: «لا بد لنا من ذلك.» وقال في نفسه: إن الواقع يقضي بحاجتهما إلى صلوات أكثر، وبإخلاص أكبر.
وسأله ناصر: «والوضوء؟»
زيتون كان يعرف أن القرآن يقول إنه إذا لم يجد المسلمون ماء للوضوء فعليهم أن يتيمموا صعيدا طيبا، فيتطهروا ولو رمزيا. وهكذا قرر ناصر وزيتون التيمم، فأخذا الحصى من الأرض ومسا به أيديهما وسواعدهما، ورأسيهما وأقدامهما، ثم قاما فصليا. كان زيتون يعرف أن صلاتهما تثير اهتمام الحراس، لكنهما لم يتوقفا.
وعندما هبط الليل بسواده أضيئت الأنوار: مصابيح الأضواء الكاشفة من فوقهم ومن المبنى المقابل، وازداد الليل حلكة وبردا، ولكن الأضواء استمرت، فزاد نورها من نور النهار، ولم توزع على الرجال ملاءات ولا بطانيات ولا وسائد، وسرعان ما أتى حارس جديد، جلس على الكرسي الذي يواجههم، فسألاه عن المكان الذي يفترض أن يناموا فيه، فقال إنه لا يأبه أين ينامون ما داموا سوف يظلون فوق «الرصيف» حيث يستطيع أن يراهم.
ولم يكن زيتون حريصا على النوم هذه الليلة، بل أراد أن يظل يقظا، عسى أن يمر أحد المشرفين من نوع ما، أو المحامين، أو أحد المدنيين مهما يكن، وحاول الآخرون الرقود على الرصيف واضعين رءوسهم بين أذرعهم، ولكن النوم تعذر على الجميع، وحتى حين كان أحدهم يستقر في مكان يتيح له الراحة، كان صوت المحرك وما يحدثه من ذبذبات في الأرض، يطرد النوم من عينيه. لن يستطيعوا النوم في هذا المكان.
وفي إحدى ساعات الهزيع الثاني حاول زيتون الاستلقاء على الهيكل الفولاذي ببطنه وتمكن أن يستريح دقيقة أو نحوها بهذا الأسلوب، ولكن الحفاظ على هذا الوضع كان مستحيلا، فحاول أن يستند بظهره إليه، وقد عقد ذراعيه أمامه، ولكنه لم يستطع.
Page inconnue