ثم يقول: «إنه حتى فكرة الخطيئة توافق أصلا من الأصول اللازمة لكتابة الرواية.»
ثم يفاجئ الكثيرين من الوجوديين المتشبهين به في مصر والبلاد الشرقية حين يقول إن الفكرة المادية تناقض الحرية بل تناقض طبيعة الفكرة؛ لأنه كما جاء في مقاله عن المادية والثورة: «إذا كان الواقع النفساني تحت سيطرة الواقع البيولوجي، وكان هذا الواقع البيولوجي تحت سيطرة الأحوال الطبيعية في العالم؛ فمن الجائز أن يكون الفكر دالا على سببه، ولكنه لا يجوز أن يكون دالا على قصده وموضوعه.»
برج بابل
وكن على يقين أنك تسمع الرأي ونقيضه من كل ناقد قبل أن تنتقل من البحث إلى غيره، أو من الفصل إلى ما بعده؛ لأن المصيبة العظمى في هؤلاء النقاد أنهم مولعون بإعطاء الأسماء وإقامة الحواجز وتقييد الآراء في سياق البحث عن حرية التفكير، وكلهم تعنيه فكرة واحدة مسلطة على رأسه وهو يكتب أو يتعرض بالنقد لمن يكتبون، وتلك الفكرة الواحدة هي تبرئة الفن من تهمة «الفقر العقلي» أو التجرد من القدرة على التفكير، وعلى هذا يحشرون الأسماء المصطنعة حشرا ليطلقوها على أفكار فجة كفقاقيع الصابون لا تقوى على نسمة هواء، وأظن أن هذه الحركة لا تزال على مشابه وثيقة من الحركة النسوية في عالم السياسة؛ فإن المرأة التي تمتلئ بفضائل جنسها لا تعنيها مساواة الرجل في حقوقه ولا في واجباته، وإنما تطمح إلى مساواته حين تشعر بالفقر النفساني أو العقلي بالنسبة إليه، فلا يرضيها إذن إلا أن تكون كالرجل في جميع الصفات، لو كانت هذه الصفات من العيوب.
والخلاصة
والخلاصة أن الفن لا يخلو من الفكر ولا يمكن أن يخلو منه؛ لأنه «فن إنساني» يعبر عن «الشخصية الإنسانية».
وليس من المعقول أن يوجد فنان كبير بغير فكرة أو بغير فهم بديهي للتفكير، ولكننا على هذا لا نزال نشعر بوظيفة للفنان ووظيفة أخرى للفيلسوف، وقد نقترب بهذه الحقيقة من المشاهدات اليومية؛ إذ قلنا إن الرجل العظيم لا يخلو من خلق عظيم، ولكننا نطالبه بغير عمله حين ننتظر منه بحثا في حقائق الفضائل ودخائل المحاسن والعيوب التي يتصف بها العظماء وغير العظماء.
مكان التعادلية
وبعد، فأين مكان «التعادلية» من فلسفة الحياة؟ وأين هي من الفكرة التي تشيع في روايات الحكيم؟
الحق أن «الفكرة» في روايات الحكيم الفنان أقوى من الفكرة في كتاب الحكيم الحكيم .
Page inconnue