وأما الذي يدل على أن العاقل لابد أن يحصل له أحد هذه الأسباب فلأنه لو كان مكلفا بالنظر، ولم يعلم بوجوبه، ولا يخاف من تركه، لم يجز تكليفه به؛ لأنه في حكم الساهي، والنائم، وتكليف الساهي والنائم لا يصح.
وأما الذي يدل على أنه لابد من أن يخاف عند هذه الأسباب فلأن من حق العاقل إذا خوف من أمر من الأمور بإظراره صحيحة أن يخاف عندها لو لم يخف يخرج عن كونه عاقلا كما لو قيل له: لا تأمن أن يسقط عليك هذا الحائط ورأى أمارة السقوط فيه من تصدعه وميلاته، فإما يعلم أنه يخاف عند ذلك لا محالة لكن منهم من يعمل بحسب الخوف فيهرب من ذلك، ومنهم من يخاف فيهلك لمخالفته واختياره لشهوات نفسه بعد البلاغ، والإنذار.
وأما الثاني : [45ب] وهو أن لا يؤمل زوال الخوف إلا بالنظر فالذي يدل عليه أنه لا يحصل له الأمان إلا أن يكون على يقين من الأمر في ثبوت الصانع، وثوابه وعقابه، فيفعل بمقتضاه، ويحذر من العقاب أو نفي الصانع فيزول هذا الخوف، ويأمن من ضرر العقاب، واليقين لا يحصل إلا بالنظر فثبت أن الخوف لا يزول إلا بالنظر.
وأما الأصل الثالث: وهو أنه ثبت بذلك وجوبه، فالذي يدل عليه أن يجري مجرى الضرر عن النفس، ودفع الضرر عن النفس واجب، ولهذا فإن من كان في مخافة، ولم يفزع إلى ما يخلص منها بأن ينظر بما يحصل به خلاصه في تلك المخافة، فإنه إذا ترك النظر استحقه الذم من العقلاء، وهم لا يذمون أحدا على ترك فعل إلا وذلك الفعل واجب فيثبت بذلك وجوبه، وقد تجري هذه الدلالة على وجه آخر وهو أن يقال: إن النظر فعل يؤمل به زوال الخوف وكل فعل يؤمل به زوال الخوف فهو واجب.
أما الأصل الأول فينبغي أن نتكلم فيه في أربعة مواضع:
أحدها: في حقيقة الخوف، وبيان أسبابه.
والثاني: في أنه لابد من حصول بعضها لمن أراد الله تكليفه.
والثالث: أنه إذا حصل بعضهما للعاقل فلا بد أن يخاف لا محالة.
والرابع: أن لا يؤمل زوال الخوف إلا بالنظر، وبتمام ذلك.
Page 81