Héritiers des royaumes oubliés : religions déclinantes au Moyen-Orient
ورثة الممالك المنسية: ديانات آفلة في الشرق الأوسط
Genres
من ناحية أخرى، الحرية التي يتمتع بها الأطفال في أمريكا جعلت تربيتهم أصعب مما لو كانت العائلات لا تزال تعيش في موطن الدروز. اعترفت ليندا بأن: «تربية الأطفال كانت صعبة. ولم نتمكن من فرض مبادئنا الأخلاقية عليهم. ففي سن الثانية عشرة والثالثة عشرة رأوا أبناء عمومتهم يشربون الخمر ويتعاطون المخدرات؛ لذا كانوا يسألون: «لماذا لا نستطيع فعل ذلك؟»» وشكلت الزيجات بين الأديان المختلفة تحديا آخر. فقد أقام الدروز الأمريكيون فعاليات اجتماعية منتظمة للجمع بين العائلات الدرزية، دون أن يخفوا الدافع المتمثل في تشجيع الشباب الدرزي على الزواج من طائفتهم. وكان عليهم أيضا تبني نهج أكثر براجماتية تجاه الزواج من غير الدروز، والتوقف عن النبذ الكامل لأولئك الذين يتزوجون من خارج الطائفة. ففي مرة قدم شيخ درزي بعض العزاء لأم مغتربة قلقة تركت ابنتها الدين. وقال: «عندما تموت طفلتك، سوف تتناسخ روحها في لبنان كدرزية مرة أخرى.»
المجتمعات الدرزية في أمريكا متماسكة بشكل ملحوظ. فهم يبحثون عن فرص عمل في البلدات ذاتها، حتى تتمكن ست أو سبع عائلات درزية على الأقل من العيش معا في أحد الأحياء بدلا من البقاء منفصلين. ومثل يوسف وجورج، وجدت عائلة ميليا أيضا قاسما مشتركا غير متوقع مع اليهود الأمريكيين. وقالت: «أينما ذهبنا انتهى بنا الأمر بمقابلة يهود والتواصل معهم دون أن نعرف. إذ يوجد تشابه في الثقافة.» ويجد كثيرون من مهاجري الشرق الأوسط من معتنقي هذه الديانات الصغيرة قاسما مشتركا مع اليهود؛ خاصة لأن اليهود يمارسون تقاليدهم وعاداتهم بمنأى عن الأنظار، ويحافظون على استمرارية هويتهم ومجتمعهم ولكنهم يندمجون ظاهريا في المجتمع العلماني.
ثمة تشابه واضح آخر بين اليهود والدروز. فاليهودية لا تسعى وراء اعتناق أشخاص جدد لها. ويتعدى الأمر مع الدروز إلى أبعد من ذلك «برفضهم» المعتنقين الجدد. ويريد بعض الدروز الأمريكيين تغيير ذلك، إلى جانب ثقافة السرية التي تمنعهم من التعرف على دينهم وشرحه بوضوح للآخرين. وفي بوسطن، حضرت ندوة لشبان من الدروز الأمريكيين ناقشوا خلالها عقيدتهم. وسألوا كبار السن الذين كانوا حاضرين عما يفعلون بشأن الاعتقاد التقليدي القائل بأن أرواح الموتى التي لم تتناسخ في لبنان تولد من جديد في الصين. •••
لم تشهد بوسطن، حيث عشت في عامي 2010 و2011، ندوات دينية درزية فحسب، بل شهدت أيضا حفل تعميد مندائي. في بداية كتابه الرائع «المندائيون: آخر الغنوصيين»، وصف الباحث إدموندو لوبيري الحفل: «يوم الأحد، الموافق الثالث عشر من يونيو، عام 1999. وقف في النهر رجل يلبس عباءة بيضاء طويلة، ولحيته الطويلة يخفيها ما يشبه وشاحا أبيض يغطي فمه، وشعره الطويل ملفوف بعمامة بيضاء، ممسكا في يده اليسرى بعصا خشبية طويلة.» كان النهر هو نهر تشارلز، ويصف الكتاب راكبي زوارق الكاياك وهم يجدفون مارين بالحفل دون إبداء أي اهتمام. ويتذكرهم وسام بريجي، صائغ الفضة والناشط المندائي الذي نظم الحفل. وأخبرني عندما التقينا في متجر الفضة الخاص به بالقرب من وسط بوسطن بأن ذلك ما كان يميز ماساتشوستس؛ فلم يكن أحد متضايقا.
لا بد أن الحفل جذب انتباه الآخرين؛ لأنه كان أول حفل تعميد مندائي في العالم الجديد. وكان ذلك الحفل مهما لأولئك الذين شاركوا فيه بقدر أهمية أول عيد شكر احتفل به البيوريتانيون والأمريكيون الأصليون. وجاء على إثره أوائل المهاجرين المندائيين. فقد كان وسام المندائي الوحيد في ماساتشوستس في ذلك الوقت. والآن، بعد اثني عشر عاما فقط، أخبرني أنه يوجد 650 مندائيا. وكان يعقد في متجره دروسا لتعليم المهارات المندائية التقليدية للوافدين الجدد. وكان يحاول تأسيس مركز اجتماعي لأعضاء دينه في ويستر، ناحية الغرب. وكان يرى يهود أمريكا نموذجا لطائفته. لكن النموذج المحدد الذي كان يدور في ذهنه كان الجالية اليهودية السورية في بروكلين، التي أصدرت مرسوما في عشرينيات القرن الماضي ضد قبول الزواج المختلط حتى من الذين غيروا دينهم إلى اليهودية. استحسن وسام هذا المرسوم؛ فهذه النوعية من الزيجات، حسب ظنه، ستضعف المندائيين لدرجة أنهم سيصبحون علمانيين تماما وستختفي الطائفة. لذلك لا ينبغي أبدا السماح بها.
وبينما كنا نتحدث، كانت المكالمات تأتي دون انقطاع على هاتف وسام الخلوي من عراقيين أرادوا أن يساعدهم في الوصول إلى الولايات المتحدة. فهو مولود في شمال أفريقيا، ونشأ مندائيا؛ قال: «لكنني، لم أعرف أبدا ما يعنيه ذلك.» وكما هو الحال مع العديد من المهاجرين الدروز، كانت سرية الدين تلازمه في المنفى على نحو مزعج؛ فبعد انفصال وسام عن المعابد والكهنة، وجد صعوبة في الحفاظ على إيمانه. لكنه ثابر، وعمل على جمع المندائيين في الولايات المتحدة معا وتعزيز هويتهم الجماعية. كان اللجوء ضروريا، لكنه ذو حدين؛ هما إنقاذ المندائيين من الخطر، وأيضا تسريع رحيلهم عن العراق، أو على حد قوله: «إنقاذ المندائيين، والقضاء على المندائية.» •••
إذن، فالسؤال هو ما الذي سيحدث لدين كان غير مفهوم في الغرب، وله قواعد زواج صارمة ومعقدة، ولا تزال تعاليمه سرية في معظمها؟ وصف الفصل الثاني حياة ميرزا إسماعيل، وهو ناشط مقيم في كندا يدير حملات تدافع عن حقوق الإيزيديين. وعندما راسلته في عام 2011، دعاني للانضمام إليه ذلك الصيف في رحلة إلى بافلو، بولاية نيويورك، عبر الحدود من كندا. كان هناك ليرى صديقه القديم أبا شهاب الذي كان قد هرب معه من العراق، وكان منزله في ضاحية هادئة. عندما طرق ميرزا الباب، فتح أحد أطفال أبي شهاب، وعلى الفور انحنى لتقبيل يد ميرزا. كانت هذه عادة احتفظت بها الأسرة منذ الأيام التي كانوا يعيشون فيها في العراق؛ لأن ميرزا كان «شقيق أبي شهاب في الحياة الأخرى». وقال إن ميرزا اعتبر نفسه أشبه بالأب الروحي لعائلة مسيحية، وهو شخص يقدم الإرشاد الروحي ويشرح بعض تعاليم الدين ل «عائلته الأخرى».
جلسنا في غرفة معيشة أبي شهاب، وبينما كنا نتحدث بدا أن كل بضع دقائق كان يظهر طفل آخر من أطفاله. ابتسم صبي ابتسامة عريضة ، كان شعره مصبوغا بلون برتقالي مذهل، ومعلقا حول رقبته صليب مزخرف (أحد مظاهر الأناقة، وليس الإيمان، على ما يبدو)، ثم ذهب إلى إحدى غرف النوم، حيث لعب لعبة كمبيوترية عالية الصوت. تحركت فتاة بصمت جيئة وذهابا في المطبخ دون النظر إلى غرفة المعيشة. في وقت لاحق، ظهر فرحان، واحد من الأبناء الكبار الذي كانت قد تقطعت به السبل في العراق مدة واحد وعشرين عاما. كان لأبي شهاب إجمالا أحد عشر طفلا. كان الأمر كما لو كان يهدف إلى إعادة توطين العالم بالإيزيديين للتعويض عن الكثيرين الذين قتلوا في حروب متتالية.
كان الابن الأكبر، شهاب، الذي انضم إلينا مع زوجته، قد حصل للتو على وظيفة جديدة مقابل تسعة دولارات في الساعة، وكان قد فقد وظيفته السابقة بعد رسوبه في اختبار اللغة الإنجليزية. بدت لي لغة شهاب الإنجليزية جيدة بما يكفي، لا سيما بالنظر إلى أنه يتحدث لغتين أخريين - العربية والكرمانجية - ولكن يبدو أنه كان قد أخفق في الأسئلة حول المرادفات. لم يكن لديه فرصة للذهاب إلى المدرسة في سوريا لأن مخيم اللاجئين الذي كان يعيش فيه لم يصدر له الشهادة اللازمة. على أي حال، كان بحاجة إلى العمل حتى لا تضطر زوجته إلى ذلك، لتتمكن من التركيز على دراستها والتأهل للعمل ممرضة. قالت بابتسامة: «حينها يمكنني العمل ويمكنه الحصول على قسط من الراحة.»
لم يكن أبو شهاب من المعجبين بالسياسة الخارجية لأمريكا وبريطانيا. فقد فشلوا، وفق رأيه، في حل مشاكل بلاده؛ خاصة تلك المتعلقة بمنطقته، سنجار، في شمال غرب العراق. لكنه أرادني أن أعرف مدى تقديره للمساعدة التي تلقاها من الولايات المتحدة منذ وصوله. قال: «لولا أمريكا، لكان ابني ميتا»، مشيرا إلى أحد أبنائه المراهقين، الذي اختفى عن الأنظار على الفور. كان هذا الابن وإحدى بنات أبي شهاب يعانيان من مشكلة صحية في الكلى تطلبت حقنا متكررة من نوع لا تستطيع الأسرة تحمل تكلفته. في سوريا ، ملاذه الأول بعد مغادرة العراق، لا تدفع الدولة مقابل هذا النوع من الرعاية الطبية، وكانت عائلة أبي شهاب فقيرة حتى وفقا لمعايير الشرق الأوسط. وفي سنجار، كانت فرصه في تأمين رعاية طبية مناسبة لطفليه المريضين أقل بكثير. أخبرني أنه لا يوجد سوى مستشفى واحد مكون من عشرة أسرة في المنطقة، التي يقطنها نصف مليون شخص. رفع أبو شهاب يده على شعره المصبوغ باللون الأسود. وقال: «إن هذا الدين على رأسي!»، بمعنى أنه كان يقر بالدين الذي يدين به لأمته المختارة. «لم نحارب أبدا ضد أي دولة أخرى من أجل أمريكا، ولسنا من هنا، لكننا نحصل على رعاية صحية مجانا بسبب إنسانية الناس. في العراق نحن أهل البلد ولا نحصل على شيء.»
Page inconnue