L'inspiration de la plume
وحي القلم
Maison d'édition
دار الكتب العلمية
Édition
الأولى ١٤٢١هـ
Année de publication
٢٠٠٠م
جاءنا العشاء من دار الشيخ فطعمنا، ثم قام الرجل فتوضأ وصلينا العتمة وجلسنا نتحدث، فاستنابه نبأه، فقال: مهلا. ثم نهض فتوضأ الثالثة وقال: تالله ما أعرف الوضوء بعد اليوم إلا ملامسة بين السماء والنفس، وما أعرف وقته من الروح إلا كساعة الفجر على النبات الأخضر.
قال المسيب: وأصبحنا فغدونا على الإمام، ثم لزمني الرجل في بعض أموري، ثم وافينا المسجد صلاة العصر لحضور درس الشيخ؛ وكان الناس كالحب المتراصف على العنقود، لا أدري من ساقهم وجمعهم، كأنما علمت الكوفة أن رجلا مسلما كفر بالله كفرة صلعاء وأنه سيحضر درس الشيخ، وسيحضر الشيخ من أجله، فهبت الرياح الأربع تسوق أهلها إلى المسجد من أقطارها.
وجلس الشيخ مجلس الحديث فقال:
روينا أن رجلا كانت به جراحة، فأتى قرنا له فأخذ مشقصا١ فذبح به نفسه، فلم يصل عليه النبي ﷺ، وترك جنازته مطرودة تقتحم متلفة الآخرة كما اقتحمت متلفة الدنيا.
روينا في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار".
روينا عنه ﷺ: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة".
روينا عنه ﷺ: "كان رجل به جراح فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة".
قال الشعبي: يقول الله: "بدرني عبدي بنفسه ... " أي بدرني وتأله فجعل نفسه إله نفسه، فقبضها وتوفاها، فكان ظالمًا.
بدرني وتأله في آخر أنفاسه لحظة ينقلب إلي، فكان مع ظلمه مغرورًا أحمق!
بدرني وتأله حين ضاق، فهور نفسه في الموت من عجزه أن يمسكها في الحياة، فكان عاجزًا مع ظلمه وغروره وحمقه!
بدرني وتأله على جهله بسر الحياة وحكمتها، فلم يستح هذا المخلوق الظالم المغرور في حمقه وعجزه وجهله، ولم يستح أن يجيئني في صورة إله.
١ القرن "بفتحتين": جعبة النشاب. والمشقص: سهم فيه نصل عريض.
2 / 85