Oasis de la Vie
واحات العمر: سيرة ذاتية: الجزء الأول
Genres
وخرجت أنا ونهاد فاشترينا بعض الكتب، وكنا نقرؤها معا وتمتحنني فيها، فكانت أياما حافلة بالعمل الممتع، وأذكر أنني جعلت أقرأ لها أشعار (بايرون
Byron ) وهي نصف مهتمة، ثم دارت الأيام وتخصصت هي (في الدكتوراه) في مسرح بايرون! وفي أوائل يوليو وصلني خطاب غريب من سمير سرحان يقول فيه إنه يكتب لي من نيويورك بعد زيارة واشنطن للاستعداد للسفر (بالحرف الواحد «للسفر! أي والله للسفر! فلقد حصلت على الحبيبة وسوف نسافر أنا ونهاد في منتصف الشهر القادم») ويقصد بالحبيبة الدكتوراه، أما نهاد الأخرى فهي نهاد جاد زوجته (رحمها الله).
وفرحت فرحا شديدا إذ قال إنه سوف يتوقف في لندن ليراني وحتى نصل ما انقطع ولكنني أستبق الأحداث هنا؛ فلم يكن صيف 1968م بأهدأ من صيف 1967م، وإن كان في جبهات مختلفة، فلأعد إلى أوائل يونيو وما كنا بصدده في ذلك الشهر، بعد أن سمعنا عن احتكاك الاتحاد السوفيتي بالنظام في تشيكوسلوفاكيا بعد تولي دوبتشيك الذي كان يدعو للإصلاح السياسي مقاليد الحكم في ذلك البلد، وبعد أن سمعنا إدوارد هيث، زعيم حزب المحافظين الذي كان يمهد لتولي السلطة في المستقبل بعد حزب العمال، وهو يتفاخر بأن القوات الأمريكية قتلت عشرة آلاف فيتنامي في حملة واحدة! كان العالم يتغير بسرعة أكبر مما توقعت!
الفصل الخامس
النهر والروافد
1
إذا كانت الكتب التي عكفنا عليها أنا ونهاد في ذلك الصيف هي التيار الرئيسي لما نكتسبه من معرفة، فلقد كانت لمجرى النهر روافده وهي دفقات الوعي التي تصب فيه وتختلط به، فتكسب المياه ألوانها الخاصة ومذاقها المتميز ، وأعني بدفقات الوعي إدراك كل منا لما يجري من حوله في العالم، وقد تلتقي هذه الروافد وقد تتعارض ولكنها تمتزج في التيار الرئيسي آخر الأمر، وكانت الصحف اليومية وصحف نهاية الأسبوع هي المصدر الرئيسي لوعي كل منا، وكلما أضيف رافد جديد إلى تيار الماء تغير لونه واتسع مجرى النهر، وكان من هذه الروافد في صيف 1968م أنباء ثورة الطلاب في فرنسا، وكان يقال إنهم يثورون على البنيوية باعتبارها مذهبا فلسفيا ونقديا لغويا، وراعتنا ردود الفعل الإنجليزية إزاءها؛ فرئيس الجمهورية شارل ديجول رجل شامخ وشخصية ساحرة ولكن الإنجليز يقولون إنه يفكر بعقلية القائد العسكري الذي يعتبر الثورة تمردا والتمرد خيانة، وزعيم الحزب الاشتراكي فرانسوا ميتران، الذي كان في الثانية والخمسين تقريبا، يتحدث بتؤدة وبمنطق الخبير، فيكتسب الأنصار من الشباب، ويتوسل في ذلك برأس حربة (على حد تعبير الصحف الإنجليزية آنذاك) تتمثل في كوهين بنديت، الذي كان يطلق عليه زعيم اليسار الجديد، وكان عالي النبرة حاد التعبير، فاتبعه ملايين الطلاب، وأغلقت جامعة السوربون أبوابها للمرة الأولى منذ إنشائها قبل 700 سنة، وامتد الإضراب ليشمل العمال والموظفين وكادت فرنسا أن تواجه الشلل الكامل في الحياة العامة، ولم تكن الصحف البريطانية تبدي التعاطف مع أي من الطرفين؛ فبريطانيا تنفر من «شخصية» ديجول لأنه يمثل الوطنية المتطرفة، ولأنه كان يذكي في النفوس الكبار نار المنافسة القديمة بين إنجلترا وفرنسا على سيادة «ما وراء البحار» إبان عصر الاستعمار القديم، وبريطانيا تخاف اليسار الجديد؛ لأنه يذكرها بالثورة الفرنسية ويهدد بنشر أفكار التغيير في بلد أشد ما يقض مضجعه هو التغيير الثوري؛ ولذلك لم نجد في الصحف التي نقرؤها تحليلا لجذور الإضراب والاضطراب بل أنباء «الفوضى وغياب النظام الذي ينذر بالخراب».
ولما كنت قد أصبحت شكاكا أومن بالتريث وبعدم التسليم بصحة أي شيء قبل التحقق منه، فقد لجأت إلى المستر ويلكينز (Wilkins)
أستاذ اللغويات (علم اللغة) الذي كان متخصصا في اللغة الفرنسية، والذي كان كثيرا ما يحدثنا عن المناهج النقدية واللغوية الجديدة، ومنها البنيوية، وكانت له زوجة فرنسية، وكانت تربطه علاقة حميمة بكلية بدفورد وكان يزورها بانتظام قبل الانتقال (وهذه من المصادفات العجيبة) إلى جامعة ردنج التي انتقلت إليها فيما بعد. وكان ويلكينز دائم التردد على غرفة الأساتذة (استراحة الأساتذة والدراسات العليا) وكنا يوم الثلاثاء 4 يونيو 1968م حين قصدت إلى الاستراحة المذكورة فلم يخب ظني؛ إذ كان واقفا وحده بجانب الباب الزجاجي المفضي إلى الحديقة (
French window )، وعندما شاهدني حياني وقال لي: «الكلية مهجورة هذا الصباح.» وفهمت أنه يستفسر عن سبب غياب الأساتذة دون مبرر ظاهر، رغم أن يوم الثلاثاء يوم عمل مهم، فذكرت له أن الجميع يتناولون مأدبة غداء رسمية أقامتها الكلية للمديرة (
Page inconnue