المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام

المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام

Maison d'édition

الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

Édition

السنة الحادية والعشرون-العددان الواحد والثمانون والثانى والثمانون-المحرم

Année de publication

جمادى الآخرة ١٤٠٩هـ

Régions
Palestine
مدخل
...
المماليك البحرية وقضاؤهم على الصليبين في الشام
الدكتور شفيق جاسر أحمد محمود أستاذ مشارك بقسم التاريخ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد:
فما من زمن تفرق فيه المسلمون، وضعفت شوكتهم، وتكالب عليهم أعداؤهم، إلا ووفى الله تعالى للمؤمنين بوعده في حفظ دينه، فيسر لهم من يجمع شملهم، وبقيل عثرتهم، ويقودهم إلى مجاهدة عدوهم.
والمماليك البحرية نموذج لمثل هؤلاء الذين وفقهم الله للدفاع عن الإسلام وبلاد المسلمين، فتمكنوا مِن رد الخطر المغولي الماحق، ومن تطهير البلاد من بقايا الصليبيين. فلله الحمد أولًا وآخرًا.
المماليك:
يطلق اسم (المماليك) اصطلاحا، على أولئك الرقيق- الأبيض غالبا- الذين درج بعض الحكام المسلمين على استحضارهم من أقطار مختلفة وتربيتهم تربية خاصة، تجعل منهم محاربين أشداء، استطاعوا فيما بعد أن يسيطروا على الحكم في مصر وأحيانا الشام والحجاز وغيرها قرابة الثلاثة قرون من الزمان ما بين ٦٤٨-٩٢٢ هـ (١٢٥٠-١٥١٧م) .
وكلمة (مماليك): جمع مملوك، وهو الرقيق الذي يباع ويشترى، وهي اسم مفعول من الفعل (ملك)، واسم الفاعل (مالك) والمملوك هو عبد مالكه١، ولكنه يختلف عن العبد الذي بمعنى الخادم٢. كما أن كلمة (مماليك) تختلف في معناها عن كلمة (موالي)

١ د. علي إبراهيم حسن، تاريخ المماليك البحرية، ص: ٢٣، ٢٤، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثالثة، ١٩٦٧ م. ابن منظور: لسان العرب كلمة (ملك) .
٢ جاء في الموسوعة الإسلامية encyclopidia of Islam: art mamluk ١٣، p.٢٣٠"تعني كلمة مملوك ما يملك بقصد تربيته والاستعانة به كجند وحكام، على عكس لفظ (العبيد) التي تعني العبودية، فالعبد يعني الأسود بينما قد يكون المملوك أبيضا، ويشتري الحكام الرقيق الأبيضا من أسواق النخاسة لتكوين فرقة عسكرية خاصة. انظر عبد المنعم ماجد: سلاطين دولة المماليك ورسومهم في مصر: ١/ ١١، مكتبة الأنجلو.

1 / 107

التي مفردها (مولى) ١، والتي تعني- اصطلاحا- عند المؤرخين المسلمين: كل من أسلم من غير العرب. فالموالي قد يكون أصل بعضهم من أسرى الحروب الذين استرقوا ثم أعتقوا، أو من أهل البلاد المفتوحة الذين انضموا إلى العرب فصاروا موالي بالحلف والموالاة٢.
والرق وأسباب الاسترقاق قديم قدم الإنسان، عرفته الأمم الغابرة من سكان ما بين النهرين، ووادي النيل، واليونان، والرومان، والعرب في الجزيرة العربية، وأقرته معظم الديانات كاليهودية والنصرانية، أما الإسلام فإنه لم ينص على إلغائه وتحريمه صراحة، ولكنه حض على تحرير الأرقاء، وعلى حسن معاملتهم، كما نظم العلاقة بينهم وبين سادتهم٣ بما يجعلهم إخوانا في الإسلام والإنسانية متحابين، يعلم كل منهم حقوقه وواجباته، حتى صار الكثيرون من الموالي شديدي الوفاء والإخلاص لسادتهم.
والتاريخ الإسلامي ملئ بأمثلة تدل على أن المسلمين استجابوا لشرائع دينهم، فأكرموا هؤلاء الموالي والأرقاء، ووثقوا بهم، ورفعوهم إلى أعلى الدرجات، ولو أردنا أن نذكر جميع الأمثلة على ذلك لأطلنا، ولكنني أجتزئ بعض الأمثلة على ذلك، فقد تولى وردان مولى عمرو بن العاص خراج مصر٤، واستعمل مسلمة بن مخلد- والي مصر وأفريقيا في عهد معاوية بن أبي سفيان- استعمل مولاه أبا المهاجر دينار على أفريقية عام ٥٠ هـ٥. كما ولى أفريقية عام ٧٣ هـ تليد مولى عبد العزيز بن مروان٦. وكان موسى بن نصير القائد

١ المولى والولي: بمعنى واحد في كلام العرب، وهو يدل على عدة مسميات، فهو الرب، والمالك، والسيد، والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار؟ وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق. ابن منظور: لسان العرب: ٥/ ٤٠٩، القاموس المحيط: ٤/ ٢٩٤. انظر: د. جميل المصري، الموالي، موقف الدولة الأموية منهم، صر: ٢٣، دار أم القرى للنشر والتوزيع، عمان، ١٩٨٨م، الطبعة الأولى.
٢ ابن خلدون، عبد الرحمن بن أحمد (٨. ٨هـ - ٥ ١٤٠ هـ)، مقدمة ابن خلدون، ص: ٩٦، بيروت، ١٩٠٠ م.
٣ حض الإسلام على تحرير الأرقاء، وجعل ذلك من أعظم الصدفات وكفارة للظهار والأيمان، والقتل الخطأ وغير ذلك من الذنوب الكبيرة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ سورة البلد، آية: ١١، ١٢. كما حض الرسول ﷺ على حسن معاملة الرقيق (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم؟ فمن كان أخو تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفهم ما يثقلهم، فإن كلفتموهم فأعينهم عليه) صحيح البخاري جـ ١ باب ٢٢ الإيمان
٤ ابن عبد الحكم، ٢٥٧ هـ- ٨٧٤ م، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم، فتوح مصر "والمغرب، ١٩٢٤ م.
٥ الطبري، ٠ ٣١ هـ- ٩٢٣ م، أبو جعفر محمد به جرير، تاريخ الرسل والملوك، ١٣ جزءا ٠ ١٨٩، ص ٦٧، وابن عبد الحكم ص:١٩٧.
٦ ابن عبد الحكم، ص: ٢٠٣.

1 / 108

المشهور، وفاتح أفريقيا، مولى لامرأة لخمية، وقيل بل مولى لبني أمية١.
كما كان طارق بن زياد ... وهو بربري من قبيلة نفرة٢ مولى لموسى بن نصير٣.
وكان العالم الجليل الحسن البصري مولى لزيد بن ثابت ﵁ من سبي ميسان٤.
هذا وقد حذا العباسيون حذو سابقيهم من الأمويين والراشدين في الاستعانة بالموالي ومعظمهم من مماليكهم، حيث روى عن أبي جعفر المنصور أنه سأل أحد الأمويين عمن وجد الأمويون عندهم الوفاء بعدما أصابهم فقال: الموالي، فقرر المنصور أن يعتمد على مواليه ويستعين بهم٥.
وكان الخليفة المأمون العباسي (١٩٨- ٨ ١ ٢ هـ) - (٨١٣ - ٨٣٣ م) أول من استكثر من المماليك، حيث ضم بلاطه عددا من هؤلاء المماليك المعتوقين٦، ثم تلاه أخوه المعتصم (٢١٨-٢٢٧ هـ) - (٨٣٣ هـ ٨٤٣ م) الذي أراد أن يحد منِ نفوذ جنوده من الفرس والعرب فكون جيشا أغلبه من التركمان٧، كان يشتريهم صغارًا ويربيهم حتى وصل عددهم إلى عشرين ألفا٨.
أما أحمد بن طولون والي مصر، فقد اعتمد على المماليك اعتمادا يكاد يكون كليا، حيث كان والده طولون مملوكا تركيا أهدي للمأمون عام ٢٠٠ هـ (٨١٥ م)، فقد أحضر أحمد هذه المماليك من بلاد جنوب بحر قزوين وبلاد الديلم، حتى زادوا عن الأربعة عشر ألف تركي وأربعين ألف مملوك أسود، بالإضافة لسبعة آلاف من المرتزقة٩.

١ الذهبي ٧٤٨ هـ، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء٤ /٤٩٧.
٢ ابن خلدون ٨٠٨ هـ، ١٤٠٥ م، العبر وديوان المبتدأ والخبر، ٨ أجزاء، ٤/ ٤٠٢، القاهرة، ١٢٨٤.
٣ الذهبي: ٤١٧.
٤ المرجع السابق ٥٦٤٠.
٥ ابن الأثير ٦٣٠ هـ (١٢٣٢ م) علي بن محمد الجزري، الكامل في التاريخ ١٢ جزءًا، بولاق،١٣٩٠م: ٥/٤٩. انظر: د. جميل المصري، الموالي: ٤٣.
٦ علي إبراهيم حسن، تاريخ المماليك الحرية، ص ٢٣، مكتبة الفضة المصرية، الطبعة الثالثة، ١٩٦٧ م.
Hitti، p.k.، the history of the Arabs، (London ١٩٤٠) p.٤٦٦. ٧
ابن كثير، البداية والنهاية ١٠/ ٢٩٦.
٨ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، تاريخ الخلفاء، أمراء المؤمنين القائمين بأمر الدولة، المطبعة الأميرية، ١٣٥١، ٩١١هـ (١٥٠٥ م)
٩ المقريزيَ، تقي الدين أحمد بن علي، ٨٤٥ هـ (١٤٤١م) المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار: ٩٤، جزءان، بولاق ١٢٧٠ هـ تحقيق مصطفى زياد.

1 / 109

وقام الأخشيديون بالسير على نفس السياسة، حتى أن محمد بن طغج الأخشيد مؤسس دولتهم في مصر ٣٢٣- ٣٥٨ هـ (٩٣٥-٩٦٩م) ١، جعل منهم جيشا يضم أربعمائة ألف من الديلم والترك، بالإضافة لحرسه الخاص الذيَ تجاوز الثمانية آلاف٢.
وأعتمد الفاطميون خلال حكمهم في أفريقيا على المغاربة المصامدة٣، وعندما استولوا على مصر عام ٣٥٨هـ (٩٦٩ م) استكثروا من الديلم والأتراك والغز والأكراد.
أما الأيوبيون، فإن استكثارهم من المماليك كان سببا في قيام الدولة المملوكية، حيث إنهم قاموا منذ وقت مبكرين دولتهم ٥٩٧ هـ (١٢٠٠م)، بجلب أعداد كبيرة من المماليك الصغار عن طريق النخاسين الذين كانوا يحضرونهم من شبه جزيرة القرم، وبلاد القوقاز والقفجاق٤، وما وراء النهر، وآسيا الصغرى، وفارس، وتركستان، وحتى من البلاد الأوربية٥ حيث ازدهرت حركة تجارة لنخاسة في أوربا قبل عصر المماليك، ومارسها البنادقة٦ والجنويون فكانوا يشترون المماليك من سواحل البحر االأسود ويبيعونهم في مصر، فبلغ من كانوا يبيعونهم في العام الواحد ألفين من المغول والشراكسة والروم والألبانيين والصقالية والعرب٧.
وكانت أشهر أسواق بيع هؤلاء المماليك، خان مسرور في القاهرة٨، وسوق الإسكندرية. والذي شجع الأيوبيين في مصر والشام على الاستكثار من هؤلاء المماليك هو ضعف شأنهم بعد وفاة صلاح الدين ﵀ ٥٨٩ هـ (١١٩٣م)، وانقسام الدولة بين الأيوبيين الذين لقبوا أنفسهم بالملوك في كل من مصر، ودمشق، وحلب، والكرك، وبعلبك، وحمص، وحماه، حيث قامت بينهم منافسات وحروب كثيرة، كما قامت بينهم من

١ أبو النحاس، جمال الدين يوسف بن تغري بردي ٨٧٤هـ - ١٤٩٦م، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ٩ أجزاء: ٣/٥٩، دار الكتب، ١٩٣٩م.
٢ علي إبراهيم حسن، تاريخ المماليك البحرية، ص: ٢٤.
٣ نسبة إلى قبيلة مصمودة المشهورة في شمال إفريقية.
٤ وتشمل حوض الفلجا والأراضي الواقعة حول بحر قزوين.
٥ عاشور، سعيد عبد الفتاح، الحركة الصليبية: ٢/١٠٧٥، الطبعة الأولى، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٦٣م.
٦ انظر: علي إبراهيم حسن، تاريخ المماليك البحرية ص: ٢٥ حاشية: ٣،٢. Heyd، w.، histoire du commerce du Levant au moyen age. ٢ vols (Leipzig ١٨٩٩) p. ٤٤٢
heyd. Op. cit. p. ٤٤٣،٥٦٠. ٧
٨ المقريزي ٨٤٥هـ (١٤٤٢م) تقي الدين بن أحمد بن علي: ٢/٩٢، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، جزءان، بولاق، ١٢٧٠هـ.

1 / 110

جهة وبين أبناء البيوتات الأخرى مثل آل زنكي وأهل البلاد الآخرين حروب مشابهة١، مما اضطر كل منهم للبحث عن عصبية تحميه وقت الشدة، وتساعده في صد أعدائه، فكان الإكثار من الرقيق الأبيض (المماليك) خير وسيلة لتحقيق ذلك وللوقوف في وجه الصليبيين في الشام، ولذلك بني لهم الملك الصالح- نجم الدين أيوب ٦٣٧-٦٤٧ هـ (١٢٤٠-١٢٥٠م) المعسكرات في جزيرة الروضة ٦٣٨ هـ (١٢٤١م) وسماهم بالمماليك البحرية٢ الصالحية، وسكن في القلعة عندهم ورتب جماعة منهم حول دهليز، واعتمد عليهم في صد غزوة لويس التاسع بمصر.
ومما زاد من دالتهم عليه كونهم قد دبروا مؤامرة لخلع العادل الثاني وأحلوا الملك الصالح محله ٦٣٧ هـ (١٢٣٩م)، ثم زاد خطرهم حتى أنهم دبروا مؤامرة لقتله عندما غضب عليهم لإهمالهم في الدفاع عن دمياط أمام لويس التاسع٣ عام ٦٤٧ هـ، ولولا مرضه الذي توفى فيه لما نجا من شرهم٤.

١ عاشور: سعيد عبد الفتاح، العصر المملوكي في مصر والشام، ص: ٣.
٢ نسبة إلى بحر النيل الذي أحاط بثكناتهم في جزيرة الروضة، ولكن الدكتور أحمد مختار العبادي في كتابه "قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام " ص: ٩٧ يرى أن هده النسبة غير صحيحة، وكان أول من شك في صحتها هو الأستاذ محمد مصطفى زيادة في بحثه المنشور بمجلة كلية آداب القاهرة، المجلد الرابع، ١٩٣٦م، بعنوان: (بعصر ملاحظات جديدة في تاريخ دولة المماليك)، وان مما يؤيد عدم صحة هذه النسبة إلى بحر النيل أن المؤرخين المعاصرين للصالح أيوب أمثال ابن واصل، وأبي شامة، لم يشيروا إلى بحر النيل كأصل لكلمة بحرية، وان المتأخرين كالمقريزي وأبو المحاسن مم الذين أوردوا هذه التسمية. بالإضافة لأن الفاطميين قد استعملوا هذه التسمية قبل الملك الصالح، فكانوا يطلقون على قسم من جنسهم اسم (العمل البحرية) (أبو المحاسن ٨٧٤هـ (١٤٦٥م) جمال الدين يوسف بن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرةَ، ١٣جزءًا، القاهرة، ١٩٤٣: ٤/ ٩٠، كما أن جد الملك الصالح وهو السلطان العادل الأول كانت له فرقة مماليك سماها (البحرية العادلة) . د. محمد زيادة، المرجع السابق. وذكر الخررجي علي بن حسن (القرن الثامن الهجري) في العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، جزءان ١/٨٢، أن سلطان اليمن نور الدين عمر بن رسول ٦٤٧ هـ (١٢٤٩م) كان له مماليك بحرية رغم بعد اليمن عن نهر النيل. والأغلب أن التسمية جاءت من أنهم جلبوا من وراء البحار، حيث ذكر جونفيل الذي حارب جند المماليك في حملة لويس التاسع وأسر- "إنهم سموا بحرية أو رجال ما وراء البحر". Joinville، jean sire de history of st. Louis. Tr. Joan Evans. P. ٨٤
٣ انظر: حول سيرة لويس التاسع، العدوان الصليبي على مصر للدكتور جوزيف نسيم يوسف، دار النهضة العربية، ص:٣٣ وما بعدها.
٤ المقريزي ٨٤٥ هـ- ١٤٤٢، السلوك: ١/ ١٤٦-١٤٧، تحقيق محمد زيادة، القاهرة،١٩٣٠م.
أساليب تربية وتدريب هؤلاء المماليك:
عني سلاطين الأيوبيين ومن بعدهم سلاطين المماليك، بتربية مماليكهم تربية خاصة، وتثقيفهم وتعليمهم فنون الحرب والقتال، وخصصوا لذلك ثكنات عسكرية في قلعة الجبل

1 / 111

عرفت بالطباق، كان عددها اثني عشرة طبقة واسعة تشبه كل منها حارة كبيرة تشتمل على مساكن عديدة، تتسع لحوالي ألف مملوك١، ولم يكن يسمح لهؤلاء المماليك، وخصوصا الصغار منهم بمغادرة تلك الطباق إلا فيما ندر٢.
وقد وصف المقريزي الحياة والعادات ومواد التدريس ومراحله فقال: "كان للمماليك بهذه الطباق عادات جميلة، منها أنه إذا قدم بالمملوك تاجره، عرضه على السلطان، وأنزله في طبقة جنسه، وسلمه لطواشي برسم الكتابة، فأول ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم، وكانت كل طائفة لها فقيه يحضر إليها كل يوم، ويأخذ في تعليمها كتاب الله تعالى، ومعرفة الخط والتحدث بآداب الشريعة، وملازمة الصلوات والأذكار، وكان الرسم إذ ذاك ألا يجلب التجار إلا المماليك الصغار، فإذا شب الواحد من المماليك، علمه الفقيه شيئا من الفقه، وأقرأه فيه مقدمة، فإذا صار إلى سن البلوغ، أخذ في تعليمه أساليب الحرب، من رمي السهام، ولعب الرمح، ونحو ذلك فيتسع في ذلك حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج"٣.
وكان السلاطين يشرفون بأنفسهم على تربية مماليكهم ويتفقدون أحوالهم، ومنهم السلطان الناصر قلاوون ٦٧٩-٦٨٩ هـ (١٢٨٠-١٢٩٠م) الذي كان يهتم بطعامهم ومعيشتهم بنفسه، ويقول معتزا بهم: "كل الملوك عملوا شيئا يذكرون به ما بين مال ورجال وعقار، وأنا عمرت أسوارا وعملت حصونا لي ولأولادي وللمسلمين وهم المماليك"٤.
وصدق ظنه بهم إذ قال أبو المحاسن عن مماليك قلاوون هذا: "فكان بهم- أي المماليك- منفعة للمسلمين ومضرة للمشركين، وقيامهم في الغزوات معروف، وشرهم عن الرعية معكوف"٥.
وكان السلاطين ومقدمو المماليك يوصون القائمين على شؤونهم وخصوصا على شؤون الطباق المذكورة أن يأخذوهم بالحسنى وأن يعطفوا عليهم، حيث جاء في وصية أحد

١ ابن شاهين الظاهري عز الدين خليل (ت ٨٧٣هـ - ١٤٦٨م) زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، تحقيق بول رافيس، ص: ٢٧، باريس، ١٨٩٥م.
٢ المقريزي، الخطط: ٢/ ٢١٤.
٣ المقريزي، الخطط: ٢/ ٢١٣.
٤ المقريزي، الخطط: ٢/ ٢١٣
٥ أبو المحاسن، النجوم الزاهرة: ٧/ ٣٢٣.

1 / 112

المقدمين إلى القائمين على شؤون تربيتهم:"ليحسن إليهم، وليعلم أنه واحد منهم، ولكنه مقدم عليهم، وليأخذ بقلوبهم، مع إقامة المهابة التي تخيل إليهم أنه معهم، وخلفهم، وبين أيديهم، وليلزم مقدم كل طبقة بما يلزمه عند تقسيم صدقاتنا الجارية عليهم، وليكن لأحوالهم متعهدا ولأمورهم متفقدا ... "١.
هذا ولا يعني التهاون معهم إلى الحد الذي يفسد تربيتهم فقد كانوا يؤخذون أحيانا بالقسوة والشدة إذا ما ارتكبوا خطأ. وقد وصف المقريزي ذلك فقال:
"ولهم أزمة من النواب، وأكابر من رؤوس النوب، يفحصون عن حال الواحد منهم الفحص الشافي، ويؤاخذونه أشد المؤاخذة، ويناقشونه على حركاته وسكناته، فإذا عثر أحد مؤدبيه الذين يعلمونه القرآن، أو الطواشي الذي هو مسلم إليه، أو رأس النوب الذي هو حاكم عليه، على أنه اقترف ذنبا أو أخل برسم أو ترك أدبا من آداب الدين والدنيا، قابله على ذلك بعقوبة شديدة قدر جرمه ... فلذلك كانوا سادة يديرون الممالك، وقادة يجاهدون في سبيل الله، وأهل سياسة يبالغون في إظهار الجميل، ويردعون من جار واعتدى"٢.
ولكن هذه السياسة المتزنة في تربيتهم بين الشدة عليهم، والرحمة بهم، لم تدم طويلا، وحل محلها الدلال والتهاون، خصوصا في الأمور الدينية، مما سبب فساد أجيالهم فعم بذلك ضررهم على الخاصة والعامة، وأضعف شأنهم، وحط من قيمتهم.
قال المقريزي في وصف تلك التربية المتهاونة وما نتج عنها: "واستقر رأي الناصر على أن تسليم المماليك للفقيه يتلفهم، بل يتركون وشأنهم فبدلت الأرض غير الأرض، وصارت المماليك السلطانية أرذل الناس، وأدناهم قدرا، وأخسهم، وأشحهم نفسا، وأجهلهم بأمر الدنيا، وأكثرهم إعراضا عن الدين، ما فيهم إلا من هو أزنى من قرد، وألص من فأرة، وأفسد من ذئب، ولا جرم أن خربت أرض مصر والشام من حيث يصب إلى مجرى الفرات بسوء إيالة الحكام، وشدة عيب الولاة، وسوء تصرف أولي الأمر"٣.

١ العمري، التعريف بالمصطلح الشريف، ص ٩٨- ٩٩.
٢ المقريزي، الخطط: ٢/ ٢١٤.
٣ المقريزي، الخطط: ٢/٢١٤.
مميزات المماليك:
بسبب كونهم غرباء عن أهل البلاد، ولخضوعهم لتربية خاصة أعدتهم إعدادًا ثقافيا وعسكريا، ليكونوا جنودا وحكاما وسياسيين، يتولون الوظائف العليا حسب الكفاية

1 / 113

الشخصية في المجتمع دون اعتبار لنشأتهم الأولى، فقد عاشوا كطائفة منفصلة عمن حولهم، ولم يختلطوا إلا نادرا بالسكان المحليين من مسلمين ونصارى، ولم يتزاوجوا معهم إلا فيما ندر.
كما احتكروا الجندية عليهم، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوها وقفا على المماليك الصغار الذين يجلبون حديثا، ولم يسمحوا لأبناء المماليك الكبار من الانخراط فيها، بل قصروهم على الوظائف الإدارية والكتابية.
ورغم اختلاف أصول مولدهم، "انقسامهم حسب خشداشياتهم وسادتهم إلى أحزاب متطاحنة، فإنهم كانوا يجتمعون ويتماسكون لمواجهة االأخطار المشتركة التي يتعرضون لها من قبل أهل البلاد من مصريين وشاميين أو من المغول أو الصليبيين.
وكانوا يتعلمون القرآن الكريم والفقه الإسلامي وينشؤون- في الغالب- تنشئة إسلامية ويعلمون أن التحلي بالأخلاق الإسلامية يكسبهم ثقة العامة، فكان بعضهم يتظاهرون بالصلاح والتقوى، ويقدمون على بناء العمائر الدينية من مساجد١ وتكايا ومدارس، بينما يمارس بعضهم في خلواتهم أشد أنواع الفسق والفجور، ولم يكونوا يتحرجون من الانتساب إلى مشتريهم الأول أو أستاذهم مثل الصالحي، والمعزي، أو يلحقون بأسمائهم ما يدل على أثمانهم التي بيعوا بها مثل الألفي٢. وكان المملوك شديد الوفاء لسيده أو أستاذه أو رابطته مع زملائه الذين تربوا لدى سيد واحد (الخشداشية) ٣.

hautecoeur et wiet: les moskuees de caire. Pp. ٤٦ - ٤٧١
٢ ابن شاكر الكتبي فخر الدين محمد بن أحمد ٨٧٣ هـ ١٤٦٩م، فوات الوفيات، بولاق، ١٢٩٩هـ: ٢/١٣٤.
٣ ابن الفرات المصري، ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم (٨٠٧هـ - ١٤٠٥م)، ص:٢٥، تاريخ ابن الفرات المعروف باسم الطريق الواضح المسلوك إلى معرفة تراجم الخلفاء والملوك، ٩ أجزاء، من ٥٠١_ ٧٩٩، تحقيق: قسطنطين زريق والمستشرق ليفي دلافيدا.
قيام دولة المماليك البحرية ٦٤٨_٦٥٨ هـ (١٢٥٠- ١٢٦٠م)
في قمة الهجمية الصليبية- التي تمثلت في الحملة السابعة التي قادها لويس التاسع ملك فرنسا ضد مصر عن طريق دمياط٤- وخلال انشغال الملك الصالح نجم الدين أيوب

٤ دمياط: مدينة قديمة بين تنيس ومصر، وهي من ثغور الإسلام، عندها يصب نهر النيل (القزويني، آثار البلاد واجتهاد العباد، ص٢٤، دار صادر بيروت. ولا يعرف اليوم موقعها القديم بسبب هدم الصليبيين لها سنة ٦٤٨هـ ١٢٥٠م. (المقريزي، الخطط: ١/٢٢٣) .

1 / 114

بالدفاع على المنصورة- التي وصل الصليبيون إليها إلى بعض أنحائها بعد أن فر أمام هجمتهم بنو كنانة وبعض المماليك١- وقع الملك الصالح مريضا٢ ولم يلبث أن توفى بعد مرض عضال.
وهنا ظهرت شخصية وعبقرية زوجته شجر الدر٣، التي أدركت مدى الخطر المحدد بالمسلمين، إذا أنّ علم الجيش والعامة بخبر موت السلطان، محل شأنه أن يوقع الوهن في العزائم، ويثير الأحقاد والمطامع الكامنة في نفوسهم وأن يطمع الصليبيين فيهم، فقامت بإخفاء خبر موته، وأرسلت سرا وعلى عجل تستدعي ابنه تورانشاه من حصن كيفا بأطراف العراق ليتولى عرش والده.
وخلال هذا الوقت تبدت بطولة الأمراء المماليك، فتصدىَ بيبرس البندقداريَ ومعه فرقة من المماليك البحريين الصالحين للصليبيين، فشن عَليهم هجوما من خارج المنصورة، وطردهم من بعض نواحيها ثم لاحقهم الأمير أقطاي- القائد العام للجيش- مستعملا النار الإغريقية حتى قرروا الهروب إلى دمياط.
وعندما وصل تورانشاه بن السلطان الملك إلى صالح إلى مصر عام ٦٤٧ هـ (.١٢٥م) ٤ ولي السلطة دون معارضة، فكان من أول أعماله أن حاصر الصليبيين وحاد بينهم وبين وصول المدد إليهم عن طريق دمياط، وقطع عليهم طريق العودة. وعندما اضطر الملك لويس التاسع بسبب حراجة موقفه إلى طلب الهدنة، ولكن المصريين رفضوا طلبه،

١ فرّ فخر الدين قائد بعض قوات السلطان من وجه الصليبيين دون قتال، وأخلا لهم مدينة دمياط التي فر منها أيضا بنو كنانة مما سهل وقوعها بأيديهم في الثاني والعشرين من صفر عام ٦٤٧هـ (١٢٤٩م)، مما أغضب الناصر فشنق أكثر من خمسين من بني كنانة، وكاد يقتل القائد فخر الدين. (المقريزي، الخطط: ١/٢٢٠) .
٢ "كان الملك الصالح نجم الدين أيوب وهو بأشموم طناج قد عرض له مرض في مخاصيه، ثم فتح وحصل له تعسر بول، وبعد ذلك حصلت له قرحة تيقنت الأطباء أنه لا خلاص له منها، لكنه لم يشعر بذلك ... " (ابن واصل ٦٩٧هـ - ١٢٩٧م) جمال الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم، مفرج الكروب: ٢/٣٥٣أ، حول مرض الصالح صورة عنه بمكتبة الإسكندرية، تحقيق جمال الشيال.. والمقريزي: الخطط: ١/٢١٩) . وأشموم طناج بلدة قرب دمياط، وهي مدينة الدهقلية (معجم البلدان جـ١ص٣٠٠) .
٣ "شجر الدر أو شجرة الدر بنت عبد الله، أول سلطانة" لمصر من غبر الأيوبيين، كانت أرمينية الأصل وقيل تركية، ذكية، جميلة، أهداها الخليفة العباسي المستعصم إلى نجم الدين أيوب في عهد ابن السلطان الكامل، فأنجبت منه ابنه خليل، الذي كان جميلا ومات صغيرا، وأصبحت أم ولده فأحبها ورافقته في رحلته إلى المشرق وكذلك عندما حبسه الملك ناصر داود في الكرك ٦٣٧هـ". أبو المحاسن، النجوم الزاهرة: ٦/٩١. وقد أعتقها الملك الناصر وتزوجها عندما أصبح سلطانا. واختلف المؤرخون حول اسمها الصحيح وفيما إذا كان شجر الدر أم شجرة الدر، والأغلب أن الأول هو الصحيح لإجماع معظم المصادر عليه. انظر: جوزيف نسيم "العدوان الصليبي على مصر"ص ١٣٦ حاشية (١) .
٤ أبو الفداء ٧٣٢هـ، المختصر، مجلدان، ٩أجزاء، دار الكتب، بيروت: ٦/٨٤

1 / 115

وعندئذ حاول التسلل ليلا والانسحاب تحت جنح الظلم، فلم تفلح حيلته، حيث إن المسلمين قد علموا بالأمر فاستعدوا لإفشاله وطاردوا الصليبيين حتى فارسكور١، وقتلوا منهم خلقا كثيرًا بلغ أكثر من ثلاثين ألفا٢، وسقط الملك نفسه أسيرا، فسجنه المسلمون في دار ابن لقمان بالمنصورة، وكلفوا الطواشي صبيح بحراسته.
وظل الملك لويس التاسع في أسره حتى أخلى المسلمون سبيله مقابل انسحاب الصليبيين من دمياط ودفع مبلغ طائل من المال فدية لنفسه وتعويضا للمسلمين عما خسروه في هذه الحرب، ومقابل إطلاق أسرى المسلمين في مصر والشام وإطلاق سراح أسر ى الصليبين وغير ذلك مما سنذكره في حينه٣.
وبذلك تم فشل هذه الحملة المسعورة وذلك بفضل الله، ثم فرسان المماليك كاقطاي وبيبرس الذين سماهم ابن واصل (داوية الإسلام) ٤ إعجابا منه بشجاعتهم.

١ قرية قرب دمياط من كور الدقهلية. (ياقوت/ معجم البلدان: ٦/٣٢٧) .
٢ المقريزي، السلوك، جـ١ ق٢ ص٣٥٧. أبو الفداء، المختصر: ٦/٨٥.
٣ انظر: د. جوزيف نسيم يوسف، العدوان الصليبي على مصر ص:٢١٦ حاشية، الطبعة الأولى، ١٩٨١م، دار النهضة العربية، بيروت. Davis. E.j.: invasion of Egypt in a.d. ١٢٤٩ (a.h.٦٤٧) . by Louis ix of France (st. Louis) (London ١٨٩٧) p.٥٨.
٤ ابن واصل، مفرج الكروب: ٢/٣٧٠، نسبة إلى فرقة فرسان الداوية الصليبية التي اشتهرت بشجاعتها في قتالها للمسلمين ويعرفون أيضا بفرسان المعبد، تأسست جماعتهم عام ١١١٨م، وهم من الرهبان المشهورين بالشجاعة. King: the knights of hospitallers. P. ٣٠٣.
مقتل السلطان تورانشاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب:
لم يكن تورانشاه بالشخص المناسب فكان سيئ التدبير غير مستقيم الأخلاق، مفتقرا للمعارف والأنصار من المماليك والمصريين على السواء، لأنه قضى معظم حياته في حصن كيفا، وقد وصفه ابن الجوزي بأنه "كان سيئ التدبير والسلوك ذا هوج وخفة"٥.
وقد دفعه ندماؤه الذين كانوا لا ينفكون عن تذكيره بأنه ليس ملكا إلا بالاسم، وأن السلطة الفعلية بيد زوجة أبيه شجر الدر والمماليك٦، إلى الإساءة للمماليك الذين عليهم جل اعتماده، كبيبرس وأقطاي ورفاقهم، فأبغضوه وصاروا يخشون غدره ويتحينون فرصة القضاء عليه٧.

٥ ابن الجوزي، مرآة الزمان حوادث سنة ٦٤٨هـ (١٢٥٠م) .
٦ أبو الفداء، تاريخ مختصر الدول، ص: ٤٥٤- ٤٥٥.
٧ المقريزى، السلوك: ١/ ٣٥٨- ٣٥٩. أبو المحاسن، النجوم:٦/ ٣٧.

1 / 116

المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام | Usul