Le Présent de l'aimé concernant les règles du nouveau-né

تحفة المودود بأحكام المولود

Enquêteur

عثمان بن جمعة ضميرية

Maison d'édition

دار عطاءات العلم (الرياض)

Édition

الرابعة

Année de publication

١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

Lieu d'édition

دار ابن حزم (بيروت)

Régions
Syrie
Empires & Eras
Mamelouks
آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٢)
تحفة المودود بأحكام المولود
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
عثمان بن جمعة ضميرية
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
رحمه الله تعالى
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

المقدمة / 1

راجع هذا الجزء
خلدون بن محمد الأحدب
محمد أجمل الإصلاحي
سليمان بن عبد الله العمير

المقدمة / 2

مقدمة التحقيق
الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:
(١)
فقد اهتمَّ علماء الأمة الإسلامية بالتأليف والتصنيف في كل الفنون والعلوم الدينية والأدبية والتاريخية والتربوية والتطبيقية وغيرها، وكان علم الفقه من أول العلوم التي أولاها العلماء عنايتهم في كل العصور، وتنوَّعت مناهجهم وطرائقهم في ذلك؛ فهناك كتب شاملة لأبواب الفقه كلِّها، من العبادات والمعاملات والمناكحات والعقوبات وغيرها، وهناك كتب في علم أصول الفقه، وفي القواعد الفقهية والأشباه والنظائر، وفي علم الخلاف. وهذه كلُّها تتناول موضوعات وأبوابًا تتصف بالشمول للأحكام العملية في جوانب الحياة كلها.
ومن العلماء من أفرد بعض الأبواب والمسائل الفقهية بالتصنيف والتأليف ابتداءً، أو تلبية لحاجة طارئة، أو إجابة على سؤال أو استفتاء، فنشأت كتب الفتاوى والرسائل والكتب المفردة في باب معيّن من أبواب الفقه أوفي مسألة من مسائله، يتناولها المصنّف بالدراسة الواسعة، فيحدِّد موضوع بحثه، ويبيِّن منهجه، وسبب تأليفه أو كتابته، ويرسم خطَّته التي تنطوي ــ أحيانًا ــ على أبواب وفصول ومباحث أو

المقدمة / 5

فروع ومسائل وتنبيهات. وقد تكون هذه الدراسة ضمن مذهب فقهي أو مدرسة فقهية معينة (^١).
وقد تتسع دائرة البحث في الدراسة للمسألة أو الموضوع، فيتناولها المؤلف في المذاهب الفقهية المشهورة وغيرها من مذاهب السلف ــ ﵏ جميعًا ــ. وأثناء ذلك يعرض أقوال العلماء ومذاهبهم والروايات المنقولة عنهم، ويستقصي الأدلَّة لكلِّ قول، ثم يناقش ويوازن ليرجِّح ما تطمئنُّ إليه نفسه، اتِّباعًا للدليل الصحيح والنص الصريح، وإعمالًا للقواعد والأصول في الاستنباط. وهذا مجال واسع للآراء والأقوال والترجيح للرأي النجيح.
ونجد أمثلة كثيرة على هذه الطريقة عند علمائنا في القديم والحديث، في شتى العلوم والفنون. ولا يغيب عن الذهن «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميَّة»، و«المعيار المُعْرِب» للونشريسي، و«الحاوي للفتاوى» للسيوطيِّ، و«فتاوى السُّبْكي»، و«رسائل ابن نُجَيم» الحنفيّ، و«مجموع رسائل الملَّا علي القاري الهَرَوِيّ»، و«الفتح

(^١) من الأمثلة على ذلك أن العلامة أبا محمد بن غانم بن محمد البغدادي الحنفي (المتوفى في حدود ١٠٣٠ هـ) جعل مسائل الضمانات موضوعًا لكتاب قائم برأسه هو «مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان» وقد طبع في المطبعة الخيرية بمصر عام ١٣٠٨ هـ، ثم صدر في مجلدين بتحقيق محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد، عن دار السلام بالقاهرة عام ١٤٢٠ هـ.

المقدمة / 6

الرباني» للشوكاني، ومجموعة «رسائل أبي الحسنات اللَّكْنَوي»، و«فتاوى الشيخ محمد عليش»، و«فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ» و«فتاوى ورسائل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز» وغيرها كثير.
فهذه الكتب والفتاوى والمجاميع لا تقتصر على الإجابة على السؤال باختصار حسب حاجة السائل أحيانًا، بل تتضمن مسائل أُفردت بالكتابة والبحث برسالة مستقلة.
وتلك الطريقة التي أشرت إليها، هي التي تسير عليها الجامعات العصرية والمعاهد العليا والكليَّات العلميَّة في مناهجها ودراساتها العليا، حيث تشترط لتخريج الطالب في مرحلة التخصص الأولى (الماجستير) وفي مرحلة العالمِيَّة العالية (الدكتوراه) أن يكتب أطروحة أو رسالة مبتكرة في موضوع تخصصه، لها شروطها ومواصفاتها.
(٢)
تأتي هذه الكلمات بين يدي كتاب «تحفة المودود بأحكام المولود» للإمام العلامة المتفنن، شمس الدين، محمَّد بن أبي بكر، ابن قيِّم الجوزيّة المتوفى سنة (٧٥١ هـ) رحمه الله تعالى. وهو نموذج لتلك الدراسة والأسلوب الذي أشرت إليه.
وهذا الكتاب سبق له أن طبع عدة طبعات في كثير من البلاد الإسلامية، وكان لانتشاره أثر كبير في الإفادة منه ــ على اختلاف منهج

المقدمة / 7

تلك الطبعات في الإخراج والنشر - والتحقيق ــ وتأتي هذه النشرة المحققة على أصول خطية جيدة، في هذا المشروع الرائد، وهو (آثار الإمام ابن قيِّم الجوزيّة وما لحقها من أعمال) لتكون حلقة في هذه السلسلة المباركة، وتكون ضمن مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
(٣)
ونقدِّم بين يدي هذه الطبعة دراسة موجزة في فقرتين اثنتين؛ تتناول (إحداهما) تربية الأولاد في الإسلام، وأهم الكتب والمراجع القديمة في أحكام الأولاد، استكمالًا لتلك الفصول النافعة التي كتبها المصنّف ــ ﵀ ــ في كتابه هذا، لعل فيها ما يساعد القارئ الكريم على الاطلاع ومتابعة البحث في هذه الجوانب.
وتتناول الفقرة (الثانية) الكتاب نفسه بالتعريف، ومنهج التحقيق.
وأما ترجمة المصنف وما يتصل بذلك؛ فإنها استُوعبت بالكتابة والدراسة في كتب كثيرة متخصصة. مع ما سيطبع ضمن هذا المشروع من ترجمته، ففيها الغناء والكفاية.
(٤)
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، متقبَّلًا عنده في صالح العمل، وأن ينفع به الأمة والملَّة، وأن يجعله في

المقدمة / 8

ميزان أعمالنا يوم العرض عليه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأسأله ــ سبحانه ــ أن يجزي كلَّ من كان سببًا فيه، وكلَّ من ساعد فيه، وبخاصة أهل بيتي وأولادي وبناتي جميعهم، الذين ساعدوا في المقابلة والمراجعة، وأدعو الله تعالى أن يحفظهم وأن يجعلهم قرة عين في الدنيا والآخرة.
وأما الأساتذة الكرام: الدكتور خلدون الأحدب، والدكتور محمد أجمل الإصلاحي، والشيخ علي بن محمد العمران، والدكتور سليمان العمير، الذين كان لقراءتهم الدقيقة وملاحظاتهم السديدة خير عون على الوصول بهذا العمل إلى ما نصبو إليه من الإتقان، فما أنا ببالغ ما أريد من الثناء، فجزاهم الله خير الجزاء. وكذا أشكر الأخ الشيخ عدنان البخاري على قيامه بصنع فهارس الكتاب، فجزاه الله خيرًا.
والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا ونبيِّنا محمّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
عثمان بن جمعة ضميرية
جامعة الشارقة
في: ٢٠ رجب ١٤٣٠ هـ

المقدمة / 9

أولًا: تربية الأولاد
الأسس والعوامل المؤثرة
كانت الكلمة الأولى التي أُنزلت على رسول الله ﷺ في آخر اتصال للسماء بالأرض هي كلمة «اقرأ»: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].
١ - التربية في مدرسة النبوة:
وتتابع الوحي على رسول الله ﷺ، وبدأ ﷺ يدعو قومه للإسلام، ويقوم بتربية النخبة المختارة من بني البشر، التي أراد الله لها أن تمسك بزمام القيادة العالمية، وأن تكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] لتقوم بأعباء الرسالة الخاتمة، التي أعدَّها الله تعالى للقيام بها، فقد ربَّاهم ﷺ في مدرسة النبوة على الإيمان بالله تعالى وحده، وبعث في نفوسهم العزة والأمل، ربَّاهم في مكة المكرمة أولًا: على الإيمان والصبر والمجاهدة ... ليتلقوا دعوة الإسلام بكل تكاليفها، ثم تابع ﷺ المسيرة التربوية: إيمانًا وإخلاصًا وتضحيةً وعبودية لله، ليسموَ بنفوس تلك النخبة الممتازة، من الجيل المثالي الذي تخرَّج على يديه.

المقدمة / 10

منهج متكامل للتربية:
وقد قامت هذه التربية على أساسين عظيمين هما: كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وهما المصدران الأساسيان لهذا الدين، وقد حفل كلٌّ منهما بمنهجٍ متكامل للتربية الإسلامية المثالية، يشمل غايات التربية، ومنهجها، ووسائلها، وطرقها، وعواملها.
منهج يتناسق مع جميع مراحل النمو:
وهو منهج يعطي كلَّ مرحلة من مراحل النمو الإنسانيِّ ما يناسبها من التربية المتوازنة الشاملة المتكاملة، إذِ اقتضتْ حكمة الله تعالى: أن يمرَّ الإنسان بمراحل مختلفة، ويتقلَّب في هذه الحياة أطوارًا؛ فهو «جَنِين» في بطن أمه، متكامل الخلق، بعد أن كان قبلها «نُطْفَة» ثم «عَلَقة» ثم «مُضْغة»، كما أشار إلى ذلك ﷾ في كتابه الكريم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
ثم هو بعد ذلك- بعد مرحلة الجنين- «طفلٌ»، ثم «نَاشِئ»،
ينتقل لمرحلة «المُراهَقة» فمرحلة «الفُتُوَّة» فمرحلة «الشَّباب»،

المقدمة / 11

ثم «الكُهُولَة» و«الشَّيخُوخَة».
وهو في كلِّ مرحلة من هذه المراحل: يتَّسم بصفات وسِمَاتٍ جسميَّة ونفسيَّة وخُلقيَّة تختلف عن الأخرى، وله في كل مرحلةٍ وطور حاجاتٌ ودوافع، ولكل مرحلة مشكلات خاصة وأساليب في التكيُّف والنموِّ والتربية، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، عند تربية هذا الكائن.
والإسلام ــ دين الله الخالد ــ يضع لكل مرحلة من مراحل عمر الإنسان خطة تربوية فذة، ترتقي بهذا الإنسان إلى مدارج عالية وآفاق سامية، نلمحها في علاقة هذا الإنسان وتعامله مع ربه ﵎، ومع نفسه، ومع الآخرين من حوله.
المنهج التربوي المتميز:
واليوم نجد كثيرًا من المثقفين وغير المثقفين يديرون كلمة «التربية» على ألسنتهم صباحَ مساء، وينظرون إلى مناهج التربية في بلاد الغرب على أنها هي التربية المثالية الفذة، التي تجعل من الإنسان نموذجًا مثاليًا يُشار إليه بالبنان ... وينسون- وهم في غرة البريق الخادع - أصالةَ دينهم، وشخصيتَهم الإسلامية، ومنهجَهم التربويَّ المتميز ...
فكان من الوفاء لهذا الدِّين ولهذه الأمة وأجيالها المؤمنة: أن نعود بالأمر إلى نصابه، وبالفضل لأهله وذويه، وهذا ما دفعني لكتابة هذه الكلمات في تقديم هذا الكتاب، والصلة بينهما وثيقة ومتينة.

المقدمة / 12

٢ - عوامل التربية:
يقصد بعوامل التربية كلَّ المؤثرات التي تؤثر في النشأة والنمو، من النواحي الجسمية والعقلية والخلقية والدينية.
ويُعنَى الباحثون في التربية بتصنيف هذه العوامل وتعدادها، إلا أنه يمكن رَجْعُها إلى طائفتين اثنتين:
(الطائفة الأولى): عوامل التربية المقصودة، وهي الوسائل المدبَّرة التي يقوم بها الكبار حيال الصغار للتأثير في أجسامهم وعقولهم وأخلاقهم، لإعدادهم للحياة المستقبلة. وأهم مواطن هذا النوع من التربية: الأسرة (البيت) والمدرسة. ولما كانت المساجد تقوم بوظيفة المدرسة قبل إنشائها، فإننا نضيف هذا العامل الهام وهو المسجد، وكذلك المنهج الدراسي الذي يقوم بوظيفة كبرى في تقديم ما ينبغي للأبناء في دراستهم.
(الطائفة الثانية): عوامل التربية غير المقصودة، وهي العوامل التي تؤثر في نشأة الأطفال والمراهقين ونموهم دون أن يكون للكبار دخل في توجيهها نحو هذه الغاية، ولا في أدائها هذه الوظائف. وتنقسم هذه الطائفة إلى أقسام كثيرة، أهمها ما يلي:
أ- عوامل طبيعية، كالوراثة والبيئة والجغرافية.
ب- الأمور التي يقوم بها الطفل مدفوعًا إليها بعامل ميوله الفطرية، ومن أظهر هذه العوامل: الألعاب الحرة والتقليد.

المقدمة / 13

ج - عوامل اجتماعية، كحضارة الأمة المنبثقة عن معتقداتها، وما إلى ذلك مما تشمله البيئة الاجتماعية العامة، ويندرج فيها ما يكوِّن الرأي العام، كوسائل الإعلام ونحوها (^١).
فأهم عوامل التربية هي: الأسرة، والمدرسة، والمسجد، الوراثة، والبيئة الجغرافية، واللعب والتقليد، والبيئة الاجتماعية العامة، ووسائل الإعلام. والعامل الأول فيها هو أهم هذه العوامل وأكثرها تأثيرًا وصلة بموضوع هذا الكتاب، فيحسن أن نخصّه بالتنويه وبشيء من التفصيل.
دور الأسرة في التربية:
الأسرة هي الخلية الاجتماعية الأولى في المجتمع، وعلى صلاحها وقوَّتها واستقامتها يتوقف صلاح المجتمع وقوَّته وتماسكه، فالمرأة والرجل هما عماد الأسرة؛ إذا صلح كلٌّ منهما استطاع أن يكوِّن بيتًا نموذجيًا على القواعد التي وضعها الإسلام، وقد وضع الإسلام قواعد هذا البيت فأحكم وضعها، فقد أرشد الزوجين إلى حسن الاختيار، فقال رسول الله ﷺ: «تنكح المرأة لأربع: لدينها ولمالها ولحسبها ولجمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (^٢).

(^١) انظر: عوامل التربية، د. علي عبد الواحد وافي، ص (٣) وما بعدها.
(^٢) أخرجه البخاري في النكاح برقم (٥٠٩٠) ومسلم في الرضاع برقم (١٤٦٦).

المقدمة / 14

وبيَّن الطريق الفطري في لقاء الرجل بالمرأة، فقال الله ﷾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
وحدَّد الحقوق والواجبات على كل من الطرفين، وما يتميز به كل واحد منهما، فقال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨].
وأوجب على الطرفين رعاية ثمرات الزواج (الأطفال) حتى تينع وتنضج في غير عبث ولا إهمال، فقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وعالج ما يعترض هذه الحياة الزوجية من مشكلات أدقَّ علاج، واختط في كل نظراته طريقًا وسطًا، لا إفراط فيه ولا تفريط، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨].

المقدمة / 15

وقال الله ﷾: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤ - ٣٥].
والإسلام يعتبر نظام الأسرة هو النظام الطبيعي الفطري المنبثق من أصل التكوين الإنساني، بل من أصل الأشياء كلِّها في الكون الذي يقوم على قاعدة الزوجية.
والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الناشئة ورعايتها وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها، وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة، وعلى هديه ونوره تتفتح للحياة وتتعامل معها (^١).
والأسرة منذ القديم كانت تقوم بوظائف اجتماعية كثيرة، ثم بدأت هذه الوظائف تتطور سعة وشمولًا، وتضييقًا وتحديدًا، حيث أصبحت كثير من المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والثقافية تنازع الأسرة هذه الوظائف الاجتماعية والتربوية إلا أنها لازالت ــ وستبقى ــ عاملًا من

(^١) في ظلال القرآن: ٢/ ٢٣٥.

المقدمة / 16

أهم عوامل التربية على الإطلاق، وترجح على بقية العوامل
الأخرى مجتمعة (^١).
تأثير الأسرة في العوامل التربوية:
والأسرة تؤثر في العملية التربوية من ناحيتين اثنتين:
(الأولى) تأثيرها في عوامل التربية الأخرى، فإن للمنزل آثارًا بليغة في مختلف عوامل التربية الأخرى المقصودة وغير المقصودة.
و(الثانية) آثارها التربوية الخاصة بها. فالطفل الإنساني هو أطول الأحياء طفولة، ومن ثم كانت حاجته لملازمة أبويه أشدَّ من حاجة أي طفل لحيوان أخر، وكانت الأسرة المستقرة الهادئة ألزم للنظام الإنساني وألصق بفطرة الإنسان وتكوينه ودوره في هذه الحياة، وعلى المنزل يقع قسط كبير من واجب التربية الخُلُقية والوجدانية والدينية في جميع مراحل الطفولة، بل في المراحل التالية لها كذلك؛ ففي المنزل تشيد أسس العقيدة والعبادة والأخلاق، فإن كان الأساس متينًا كان البناء قويًا متينًا، وإلا انهار البناء.

(^١) انظر عوامل التربية ص ٥ - ٧، الأسرة والمجتمع ص ١٦ - ٢١ كلاهما للدكتور علي عبد الواحد وافي.

المقدمة / 17

٣ - وسائل التربية:
أ - الوسيلة الأولى: القدوة الحسنة، وهي الوسيلة الفعالة في التربية، ولها التأثير الكبير فيها بجميع نواحيها، إذْ لا بد للطفل في البيت أو الطالب في المدرسة من مثل أعلى يقتدي به ويترسم خطاه، فلنقدم له القدوة الحسنة متمثلة برسول الله ﷺ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١ [، ومتمثلة بالجيل الأول من الصحابة، ومن أبطال الإسلام وقادته على مرِّ العصور.
والرسول ﷺ لم يكن يربِّي أصحابه بالكلام يديره على لسانه، وإنما كان يربيهم بأفعاله، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- قرآنًا يمشي على الأرض، و«كان خلقه القرآن»؛ لذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
والمسلم يربِّي بسلوكه وعمله قبل أن يربي بلسانه وكلامه. والإسلام انتشر في كثير من بقاع العالم بواسطة التجار المسلمين الذين كانوا أمثلة طيبة وقدوة صالحة.
ولذلك نجد الطفل الذي يرى أبويه يقفان في جوف الليل، يناجيان الله تعالى بالعبادة والصلاة والدعاء ... يتعلم السموّ الروحي عمليًّا منهما .. ولن يتعلم الفضيلة طفل يرى أبويه أو أحدهما منغمسًا في الرذيلة والشهوات؛ لأنهما قدوة له، وهو يتأثر بهما، ولن يتعلم

المقدمة / 18

الإنسانية والخلق السامي طفل يجد صدر أبيه ممتلئًا حقدًا أو بغضًا وحسدًا وضغينة على الآخرين.
ب - والوسيلة الثانية: هي التربية بالموعظة، وذلك كي تتفتَّح النفس ويتذكر القلب، بعد أن يكون قد شرد عن الله وغفل عنه لسبب من الأسباب التي تصرف الإنسان وتبعده عن الله وعن منهجه وعن دينه، وفي القرآن الكريم نماذج كثيرة رائعة للتربية بالموعظة منها موعظة لقمان لابنه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) ...﴾ إلى آخر الآيات] لقمان: ١٣ - ١٩].
وما أكثر مواعظ الرسول ^؛ وما أشدَّ تأثيرها في النفوس! فمواعظه تتفتّح لها القلوب والعقول وتذرف لها العيون. وقد كان ﵊ يتخوَّل أصحابه بالموعظة بين الحين والآخر، ومن ذلك حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسولُ الله ﷺ موعظة وَجِلَت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودِّع فأوْصِنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله ﷿ والسمع والطاعة ..» (^١).

(^١) رواه أبو داود: ٧/ ١١، والترمذي: ٧/ ٤٣٨. وقال: «هذا حديث حسن صحيح».

المقدمة / 19

وكان ﵊ يعظ أصحابه عند ما يشاهد خطأ، وينبِّه إليه بطريقة تربوية فذة، حيث يصعد المنبر ويقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، أو ما بال أقوام يتنزهون عن كذا» (^١) .. أو «لينتهينَّ أقوام عن كذا ..» (^٢)
جـ - والقصة هي الوسيلة الثالثة: وهي وسيلة فعالة، لأن الإنسان يتطلع دائمًا ويتشوق إلى معرفة المجهول، ويتطلع إلى المفاجآت، والقصة تحتوي على كل هذه العناصر المشوقة، ومن هنا كان تأثيرها الكبير في النفس، حتى إن القرآن الكريم قد ذكر كثيرًا من القصص بهدف التربية وأخذ العبرة والعظة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١].
وقد أخضع القرآنُ الكريم القصةَ بجميع أنواعها للغرض الديني التربوي. فليكن هذا حافزًا لاستعمال القصص الناجحة الموجهة في تربيتنا لأولادنا وطلابنا.
د - التربية بالأحداث والوقائع: وهي وسيلة بارزة، حيث يستطيع المربي الماهر أن يتلقف كل حادث يقع ليغرس في أعقابه مباشرة ما يريد

(^١) كما في صحيح البخاري، كتاب الاعتصام: ١٣/ ٢٧٦، وصحيح مسلم في الفضائل: ٤/ ١٨٢٩.
(^٢) كما في صحيح مسلم، كتاب الجمعة: ٢/ ٥١٢.

المقدمة / 20

من المُثل والأخلاق والأحكام في نفوس من يعلِّمهم ويربيهم؛ لأن النفس في أعقاب الحادثة تكون مستعدة لتلقى الدرس، كما فعل القرآن الكريم في تربية الجيل الأول، ونجد أمثلة لذلك في الآيات التي تنزلت في أعقاب غزوة بدر وأحد وحنين .. إلخ، ونجد لهذا أمثلة رائعة في السيرة النبوية كما في موعظة النبي ﷺ للأنصار عقب توزيع غنائم هوازن ...
هـ - ونأتي أخيرًا إلى العقوبة والمثوبة ومكانهما في التربية، فإن المثوبة أو الجزاء الطيب على العمل الطيب والتشجيع عليه بكل طريقة، وسيلة ناجحة تحمل على السعي الحثيث نحو الخير والفضيلة، وما أكثر الآيات القرآنية التي يرغِّبنا الله تعالى فيها بجنته وثوابه.
والعقوبة أيضًا تقابل المثوبة وتسير معها، فليست كل نفس تنفع فيها المثوبة أو الموعظة، وعندئذ نلجأ إلى العقوبة وسيلةً أخيرة في التربية، وهي تتدرج من النظرة إلى الكلمة الطيبة ثم الكلمة العنيفة القاسية حتى إنها لتصل أحيانًا إلى الضرب .. وخيرُ عقوبةٍ هو الحرمان من المثوبة والجزاء.
وغنيٌّ عن البيان أن كُلًّا من المثوبة والعقوبة تتنوع إلى مادية وأدبية، ولكل منهما تأثير في النفوس. وحسبنا هذه الإشارات السريعة، وللتفصيل مجال آخر (^١).

(^١) انظر بالتفصيل: منهج التربية الإسلامية: ١/ ١٨٠ وما بعدها.

المقدمة / 21

٤ - أُسُس التربية في البيت المسلم:
وفيما يلي عرض موجز لبعض الأسس والقواعد التي تقوم عليها التربية الإسلامية، وهي في الحقيقة من مقومات المنهج التربوي في الإسلام.
أ - التربية الخلقية:
إن التربية الخلقية من المثل السامية للتربية في الإسلام، وهي تعمل على تكوين رجال مهذبين ونساء مهذبات، ذوي نفوس أبية، وعزيمة صادقة، وأخلاق عالية، وعندما امتدح الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وقال رسول الله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (^١). وروي عنه أنه قال: «أدَّبني ربي فأحسن تأديبي» (^٢).
والأخلاق يجب أن تكون قرين العلم، بل تاجه، لأن العلم إن لم يصحبه الخلق، كان وسيلة هدم وشر، وفي هذا يقول الشاعر:
لا تحسبنّ العلمَ ينفعُ وَحْدَه ... ما لم يُتَوَّجْ ربُّه بخَلاقِ

(^١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ:٢/ ٤٧. وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي:٩/ ١٥.
(^٢) رواه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص ١، والعسكري في الأمثال. وهو ضعيف من حيث السند. انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما يدور من الحديث على ألسنة الناس للعجلوني: ١/ ١٦.

المقدمة / 22