والمرجح إلى جانب هذا أن حداء الإبل كان له عمله المحسوس في التزام القافية، سواء بدأت القافية في سجع الكهان كما يرى الكثيرون، أو كان ابتداؤها في غناء الحداة.
فالمشاهد من أشعار الأمم في لغات متعددة أن القافية تلتزم في الشعر المنفرد، أي: الشعر الذي يتغنى به ناظمه وراويه، ويصغي إليه المستمعون دون أن يشتركوا في الغناء، ويلاحظ هذا في أغاني المنشدين الحماسيين أو المتغزلين التي يسمونها
Ballads «بللاد» في بعض اللغات الأوروبية، كما يلاحظ في الموشحة
Sonnet
التي يتغنى بها العاشق لمعشوقته في البلاد اللاتينية حيث كان منشؤها الأول، وقيل: إنهم استعاروها من الموشحة العربية.
وتهمل القافية غالبا في أناشيد الجماعات، سواء كانت مسرحية أو دينية كما يرى في أناشيد اليونان والعبريين، وسر ذلك ظاهر لمن يريد أن يختبره في حالة الإصغاء ، أو حالة الاشتراك في الغناء ...
فإن السامع المصغي إلى ترتيل غيره يحتاج إلى تنبيه السمع وانتظار مواضع الوقوف والترديد، فيعرفها من القافية المتتابعة في مواضعها.
أما المنشد المشترك في الغناء، فهو يعلم مواضع الإيقاع ومواضع الابتداء والانتهاء، فيغنيه الاشتراك في الإيقاع عن انتظار مواضع الوقوف، وعن تنبيه غيره له بالقافية إلى تلك المواضع، وقد نتبين هذا الفارق فيما ننشده بأنفسنا ولو كان من الكلام المنثور؛ فإننا نتبع الوزن في هذه الحالة ولا يعنينا أن نترقب القافية، بل لا يعنينا أن نترقب شيئا غير الاسترسال في النغم إلى نهاية الكلام، كيفما كان منتهاه مقفى أو بغير قافية، شأنه في ذلك شأن اللحن الموسيقي الذي خلا من الكلمات، فلا يلتفت فيه إلى غير امتداد النغمة حسب أوزان الإيقاع.
وكثيرا ما خطر لنقاد الغرب أن هذه القوافي والبحور في وزن الشعر خاصة من خواص الأمزجة السامية، خالف الساميون بها الأوروبيين لمخالفتهم إياهم في تكوين الفطرة وخصائص العناصر البشرية.
لكنهم فهموا بعد تواتر البحث في أشعار اللغات السامية أن القافية غير ملتزمة في جميع تلك اللغات، وأن كثيرا من الشعر المنظوم فيها خال من البحور والأعاريض ذات التفعيلات المتكررة، كأنه فواصل النثر التي تنقسم إلى جمل متقاربة، ولا تنقسم إلى شطور متساوية في حركات الأسباب والأوتاد على اصطلاح العروضيين.
Page inconnue