Histoire des sultans ottomans
تاريخ سلاطين بني عثمان
Genres
ومعلوم أن ليس للدولة معين من بقية الدول كما كان لها في حرب القرم، فاعترض أكثر المبعوثين على قبول المضبطة، وأظهروا من الحماسة والغيرة بالوطنية ما لا مزيد عليه، ورفضوا قبولها بالأغلبية، وعندئذ نظم الباب العالي احتجاجه على المضبطة المذكورة في 9 أبريل سنة 1877، وأسنده على أن محتويات تلك المضبطة مجحفة باستقلال المملكة العثمانية المصدق عليه في معاهدة باريز، وفي 24 أبريل سنة 1877 أعلنت الحرب، ودامت ثمانية أشهر، وأظهرت فيها الجنود العثمانية من الشجاعة والجلد ما دل على قوتها، ولكن قلة التجهيزات العسكرية، وسوء الإدارة، وفراغ الخزينة من المال، وصدور الأوامر المتناقضة من جانب السلطان إلى القيادة العامة أتاح النصر للروس في تركيه أوروبا، ثم في آسيا، فتجاوزت جنودهم نهر الطونه وجبال البلقان، واستولوا على القرص، وحاصروا أرضروم من جهة الأناضول، وفتحوا قلعة بلافنا، فأبلى عثمان باشا الغازي وعساكره بلاء حسنا اندهشت له أوروبا.
وفي يوم الخميس 7 ذي الحجة سنة 1294، الموافق 13 ديسمبر سنة 1878، عقد «مجلس المبعوثان» جلسته الثانية، وتوجهوا مع أعضاء مجلس الأعيان والوكلاء والوزراء والعلماء إلى سراي بشكطاش، فدخل عليهم جلالة السلطان في الساعة السادسة عربية من ذلك اليوم، وسلم إلى سعيد باشا باشكاتب المابين الشاهاني، فتلاه على الحاضرين وهو:
أيها الأعيان والمبعوثان:
إنني ممتن من افتتاح المجلس العمومي ومشاهدة مبعوثي الملة، وأذكر لكم انتشاب نار الحرب بيننا وبين الروس، وإن الضرورة قد قضت علينا بهذه الحرب محافظة على الحقوق العمومية، وحق المساواة بين جميع سكان المملكة، وإدخال غير المسلمين في السلك العسكري، والمحافظة على القانون الأساسي، وإصلاح المالية، ثم إن إيجاد الحقائق في المسائل القانونية والسياسية، وتأمين منافع البلاد يتوقفان على مبادلة أرباب الشورى وأفكارهم بالحرية التامة، وبما أن القانون الأساسي يأمركم بذلك، فلا أرى احتياجا إلى حثكم على ذلك.
ثم انعقد «مجلس المبعوثان» تحت رئاسة حسن فهمي أفندي، ودارت المذاكرات من ديسمبر سنة 1877 إلى فبراير سنة 1878، وكثر الجدال بشأن محاكمة المرتكبين، وقطع دابر الرشوة، وتحسين أحوال المحاكم، حتى قال أحد «المبعوثان»: «إن عساكر الضبط في الولايات تنهب الأهالي، وإن المحاكم ترتشي على إبطال الحق ...» وغير ذلك من القول المؤلم.
ثم استقدم مدحت باشا من أوروبا، وكانت الحرب الروسية في منتهاها؛ لأن عساكر الروس كانوا استولوا على أدرنه وما جاورها، فدولة النمسا طلبت وقتئذ عقد مؤتمر في فيينا من الدول الموقعات على معاهدة باريس؛ لوضع المعاهدة الجديدة بين تركيا وروسيا، وأرسلت إنجلترا أساطيلها الحربية إلى بحر مرمرا، وتداخلت أوروبا بالمسألة الشرقية لإرجاع الروس عن أبواب الآستانة، فاغتنم السلطان وقوع بعض الخلاف بين الدول واستغنى عن مشورة «مجلس المبعوثان»، فشكل في 11 فبراير سنة 1878 مجلسا عاليا من وكلاء الدولة وأعيانها والرؤساء الروحانيين. وهذا المجلس استدعى إليه خمسة أشخاص من «مجلس المبعوثان»؛ وهم: الرئيس، ووكيلاه، وأحد مبعوثي الآستانة، ومبعوث آخر إسرائيلي؛ للمداولة معه في الحالة الحاضرة، فمندوب الآستانة الحاج أحمد أفندي كتخدا أجابه بأن جملة مسائل حصلت بدون سؤال «المبعوثان» عنها؛ ولذلك فإنهم يلقون كل مسئولية الخراب على عاتق الوزارة.
ولما بلغ السلطان ذلك عدل عن سياسة والده المرحوم السلطان عبد المجيد، من حيث إجراء الإصلاحات، وإعطاء الحرية، وتطبيق القانون الأساسي، ورجع إلى سياسة جده السلطان محمود معتقدا أن الشعوب التي وضعها الله تحت سلطته لا يمكن تسييرها إلا بالقوة والاستبداد، فأصدر إرادته في 14 فبراير سنة 1878 بتعطيل «مجلس المبعوثان» لأجل غير مسمى.
ثم أوعز السلطان إلى اضطهاد رجال «المبعوثان»، فتبعثروا بين مصر وباريس والولايات المتطرفة، فمنهم خليل غانم، مبعوث بيروت، فإنه هاجر إلى باريس وانقطع فيها إلى تحرير القسم الشرقي في جريدة الدنيا، وفيه أماط النقاب عن سائر ما يجريه السلطان ورجاله من المظالم والاستبداد، ولبث على هذه الخطة إلى أن توفي.
أما الحرب الروسية فقد انتهت في أواخر شهر فبراير من سنة 1878، وكان الفوز فيها للروس، وعقد السلطان معهم شروط الصلح الابتدائية بالمعاهدة المعروفة بسان إستفانوس، ثم في 10 رجب سنة 1295، الموافق 13 يوليو سنة 1878، استبدلت بهذه المعاهدة معاهدة برلين، فاستقلت ولاية البلغار، وجعلت الروم إيلي الشرقية ولاية ممتازة، واستقلت السرب والجبل الأسود والأفلاق والبغدان، واحتلت النمسا بلاد بوسنه وهرسك، واحتلت إنجلترا جزيرة قبرص، وفي سنة 1303 ثارت الروم إيلي الشرقية للتوصل إلى انضمامها للبلغار، فحصل لها الاتحاد النوعي، ثم أخذ السلطان يغير ويبدل في الوزارة إلى أن تولاها جواد باشا مع حداثة سنه، وعدم اختباره بأحوال المملكة؛ لأنه كان من أمراء العسكرية ولم يسبق له الاشتغال بأمور السياسة، فعلى عهده حصل اضطهاد الأحرار، وراج سوق الجاسوسية، وانتشرت الرشوة في سائر فروع المصالح والإدارات، وصارت الوظائف والرتب والنياشين تباع بيع السلع. ولأن المادة 61 من معاهدة برلين أوجبت على الباب العالي السرعة في إجراء التحسينات والإصلاحات التي تقتضيها حالة البلاد في الولايات المأهولة من الأرمن لحمايتهم من الجراكسة والأتراك، فإنجلترا قامت تطالب السلطان بذلك، فانحرفت سياسته عنها واتجهت نحو ألمانيا، وبقي الأرمن يتألمون من صنوف الظلم التي تقع عليها، ولما لم يجدوا لهم مغيثا ألفوا في سنة 1890 جمعية لتحريرهم، وكان رأس مالها 130000 فرنك، فأحس بها أحرار العثمانيين، وتشاوروا معها خفية لإصلاح عموم الولايات العثمانية؛ لأن الظلم والغدر شاملان للأرمن والأتراك ولعموم المسلمين والمسيحيين، ويزيد المسلمون على غيرهم باحتمالهم أعباء الخدمة العسكرية التي تقعدهم عن زرع الأراضي والاتجار، ثم انتشرت فروع لهذه الجمعيات في أوروبا، فشعر السلطان بذلك، وأوعز إلى المقربين منه ليبثوا روح العداء بين الأكراد والأرمن، فاشتعلت نار الفتن بينهم في سنة 1894، وحدثت مذابح ساسون وسواها، وخربت ثلاثون قرية من قرى الأرمن عن آخرها، وذبحت النساء والأطفال ذبح الأغنام.
فهذه الحادثة قد شجعت الجمعيات الأرمنية مع جمعية رجال الأحرار فنهضوا، واشتدت نقمتها على السلطان، وبثوا روحهم بين تلامذة المدارس العليا في الآستانة، فاجتمع أربعة من تلامذة مدارس الطب؛ وهم: إسحاق سكوتي من ديار بكر، وعبد الله جودت وحكمت أمين من قونية، ومحمد أمين من قوقاسيه، وألفوا جمعية سموها جمعية الاتحاد والترقي، جعلوا موضوعها طلب الإصلاحات الدستورية للمساواة بين أصناف الرعية، والحصول على حرية القول والعمل، وضمانة الأرواح والأموال، وتقييد السلطان بالقوانين؛ فانضم إليهم كثيرون من تلامذة المدارس وأرباب الأقلام، واتخذوا في قبول الأعضاء وإدخالهم في هذه الجمعية طرقا تشبه الطرق الماسونية، وزادوا عليهم أسلوبا غريبا يأمن به الداخل كشف أمره حتى بين إخوانه أعضاء الجمعية، بحيث إن العضو الواحد لا يعرف من سائر الأعضاء - ولو كانوا ألوفا - إلا اثنين: العضو الذي أدخله، والعضو الذي توسط في إدخاله.
Page inconnue