Histoire de la grammaire arabe
تاريخ النحو العربي: منظورا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية
Genres
كيف نفهم أصل التقابل بين الأعرابي وبين الأخفش في الحكاية؟ كيف نفهم التقابل بين الحياة ما قبل العلمية وبين الحياة العلمية في العالم اليومي؟ من المعروف أن اللغة العربية «لم تؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم لسائر الأمم.»
11
وقد أخرج بسبب هذا لغات قبائل كثيرة، وبقي القليل من القبائل التي ينتسب إليها الأعراب الذين امتهنوا نقل اللغة وبيعها إلى اللغويين. مهنة الأعرابي هذه مثلها مثل أي مهنة أخرى في العالم، لها مهام قابلة لأن تحقق. وقد حققت من قبل عندما حدث التحول الأول الذي أنجزه أعرابي مجهول خطرت على باله فكرة موفقة، هي أن يتكسب بلغته. ومنذئذ أصبح السبيل سالكا لأعراب آخرين. لم تصل إلينا قصة ذلك الأعرابي المجهول لنفهم نمط تفكيره. كل ما نعرفه أن الأعراب توارثوا هذه المهمة، وتوارثوا معها الكيفية التي يحققون بها مهمتهم؛ أي الممارسة المنهجية للتنفيذ. ذلك أن «تدشين المهن المعتادة يعني في الحقيقة مسبقا توارث ابتكار، تم القيام به سابقا وحالفه التوفيق، عبر الأزمان في منهج يمكن تكراره كما نشاء. تنشأ في كل مهنة منتجات غائية يمكن التعرف عليها باشتراك بين الذوات، وبذلك تندرج من جديد في عالمنا المحيط. هكذا توجد فيه الآن موضوعات نافعة تنتمي حسب نوعها للمهن المختلفة المعهودة: أحذية، ألبسة، منازل ... إلخ.»
12
لكل اهتمام وقته؛ أي حين يفعل أحد ما أحد اهتماماته، ويمارسه فعليا، فإنه يعلق في الوقت ذاته اهتماماته الأخرى من غير أن يغيبها تماما، إنما تكون موجودة؛ فالأعرابي الذي ينقل اللغة ومعه الأخفش الذي يتحدث عن اللغة يعلقان اهتماماتهما الأخرى ككونهما أبوين، يعولان أسرتين، ويربيان أطفالا، ويصرفان عليهم ... إلخ. وهكذا يمكن القول: حان الوقت الذي ينقل فيه الأعرابي اللغة، وحان وقت الأخفش لكي يتحدث عن اللغة باللغة بما ليس في اللغة.
من وجهة النظر هذه يتوفر كل شيء على وقته داخل الوقت الشخصي للأعرابي والوقت الشخصي للأخفش، ويتوفر كل شيء في الأوقات المهنية الأخرى التي تفرض نفسها عليهما؛ كأن يكونا مواطنين عربيين ومنتمين إلى مجتمع عربي، ولهما فيه أدوارهما الاجتماعية. غير أن هذا كله لا يمنع بقاء مهنتيهما قائمتين؛ فالطبيعي هو ألا يغير اهتمامهما بأسرتيهما على سبيل المثال من اهتمامهما بمهنتيهما التي تستمر موجودة، وكذلك تستمر مع وجودها صلاحيتها.
الآن يمكننا أن نسأل: ألا تشبه اللغة التي ينقلها الأعرابي الموضوعات النافعة للمهن المختلفة؟ أي: ألا تشبه لغة الأعرابي عند النحوي الأدوات النافعة للإسكافي والخياط؟ ألا تختلف مهمة النحوي الأخفش عن مهمة الأعرابي بكيفية حاسمة؟ إن مهنة النحوي تتميز عن مهنة الأعرابي. وبالعودة إلى الأخفش؛ فالمعنى التحليلي لمهمة النحو ومهنة النحوي يكمن في إنشاء معرفة تقابل معرفة أخرى كما هي معرفة الأعرابي القائمة في حياته ما قبل العلمية في العالم اليومي.
من وجهة نظر العلم الأعرابي على حق؛ فالكلام الذي تتكلم به جماعة علمية (مجلس الأخفش) يختلف اختلافا نوعيا عن الكلام الذي يستخدم في الحياة اليومية. ويعود السبب إلى أن كلام الجماعة العلمية يبتعد عن خبرة الحياة اليومية، وإلى أنها تستخدم المصطلحات والمفاهيم المجردة، وتعرف المعاني بطرق تقنية تنتمي إلى العلم؛ لذلك لم يفهم الأعرابي الكلام الذي سمعه؛ لأنه يقف خارج الجماعة العلمية. وبمقارنة المرجعيات نجد أن مرجعية الكلام عند الأعرابي هي خبرة الحياة اليومية، بينما مرجعيته عند الأخفش خبرة الجماعة العلمية.
يحضر الأعرابي في تاريخ النحو على مستوى الشواهد النحوية، وهذه ليست النحو؛ إنما هي من جنس الأشياء النافعة كالتي تحضر إلى الإسكافي أو النجار أو البناء. الشواهد النحوية التي نقلها الأعرابي ليست النحو، إنما هي عظام النحو مثلما أن الجلد هو عظام الحذاء، والصوف هو عظام الثوب، والحجر هو عظام البيت. يترتب على هذا أن مهنة الأعرابي تختلف عن مهنة النحوي مثلما تختلف مهنة الدباغ عن مهنة الإسكافي ومهنة الصواف عن مهنة الخياط ومهنة من يقتلع الحصى ويشذبها عن مهنة البناء. الأعرابي عبر عن الاختلاف بقوله: يتحدثون بكلامنا عن كلامنا بما ليس من كلامنا. وبالفعل هذه هي مهنة النحوي مثلما جسدها أبي الأخفش.
وفق أحد الباحثين ما كان للنحو لينشأ إلا أن يكون نحوا تعليميا وليس نحوا علميا، وبتعبيره «أن يكون في عمومه نحوا معياريا لا نحوا وصفيا.»
Page inconnue