Histoire de La Mecque

تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف

Enquêteur

علاء إبراهيم، أيمن نصر

Maison d'édition

دار الكتب العلمية

Édition

الثانية

Année de publication

١٤٢٤هـ - ٢٠٠٤م

Lieu d'édition

بيروت / لبنان

مُقَدّمَة الْمُؤلف
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه ثقتي وَصلى الله على سيد الْمُرْسلين مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ. وَبعد: فَهَذَا جُزْء مُشْتَمل على مَا يتَعَلَّق بأحوال مَكَّة المشرفة وَالْمَسْجِد الْحَرَام، وَالْمَدينَة الشَّرِيفَة والقبر الشريف، وَغير ذَلِك مِمَّا يتَعَلَّق بِالْمَقْصُودِ. جمعه الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى، الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة، حجَّة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، مفتي الْأَنَام بِبَلَد الله الْأمين، مرجع الطلاب والمدرسين، قَاضِي الْقُضَاة، شيخ الْإِسْلَام، أَبُو الْبَقَاء مُحَمَّد بهاء الدّين بن الضياء الْمَكِّيّ الْحَنَفِيّ الْقرشِي الْعمريّ الْعَدوي، جمعا مُرَتبا على بَابَيْنِ لم يسْبق إِلَيْهِ وَلَا سبر غَيره عَلَيْهِ؛ رَجَاء للثَّواب من الْملك الْوَهَّاب، وَالله الْمُنعم وَإِلَيْهِ المآب.

1 / 20

الْبَاب الأول تَارِيخ مَكَّة المشرفة وَمَا يتَعَلَّق بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَة وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَغير ذَلِك على سَبِيل الِاخْتِصَار

1 / 21

فصل: ذكر مَا كَانَت الْكَعْبَة عَلَيْهِ فَوق المَاء قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض
اعْلَم أَن الله تَعَالَى خلق الْعَالم فِي سِتَّة أَيَّام، ابْتِدَاؤُهَا يَوْم الْأَحَد والاثنين؛ لقَوْله تَعَالَى: " أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ ". وَخلق الْجبَال يَوْم الثُّلَاثَاء، وَالْمَاء وَالشَّجر يَوْم الْأَرْبَعَاء، وَالسَّمَاء يَوْم الْخَمِيس، وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْمَلَائِكَة وآدَم يَوْم الْجُمُعَة، وَلذَلِك سمي يَوْم الْجُمُعَة؛ لِأَنَّهُ جمع فِيهِ خلق كل شَيْء قَالَه الشّعبِيّ حَكَاهُ الشهرستاني فِي " أَعْلَام النُّبُوَّة " لَهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله الْكسَائي فِي " بَدْء الدُّنْيَا " لَهُ: أول مَا خلق الله تَعَالَى اللَّوْح ثمَّ الْقَلَم ثمَّ المَاء. قَالَ: وكل شَيْء لَا يفتر عَن تسبيحه فِي وَقت عَن وَقت إِلَّا المَاء، وتسبيحه: اضطرابه. وَقيل: إِنَّه بَدَأَ بِخلق السَّمَوَات قبل الأَرْض يَوْم الْأَحَد والاثنين؛ لقَوْله تَعَالَى: " فقضاهن سبع سماوات فِي يَوْمَيْنِ " وَقيل: خلق السَّمَاء دخانًا قبل الأَرْض، وفتقها سبعا بعد الأَرْض؛ لقَوْله تَعَالَى: " ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين ". قيل: إِن ظُهُور الطَّاعَة مِنْهُمَا قَامَ مقَام قَوْلهمَا. وَقيل: إِنَّه تَعَالَى خلق فيهمَا كلَاما نطق بذلك، فَنَطَقَ من الأَرْض مَوضِع الْكَعْبَة، ونطق من السَّمَاء مَا بحيالها، فَوضع الله تَعَالَى فِيهَا حرمه، قَالَه أَبُو نصر السكْسكِي. وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى اتِّصَال حُرْمَة الْبَيْت الْمَعْمُور علويًا بِحرْمَة الْبَيْت الْحَرَام سفليًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ. وَقيل: خلق الله الْأَشْيَاء من يَوْم الْأَحَد إِلَى

1 / 22

يَوْم الْخَمِيس، وَخلق فِي يَوْم الْخَمِيس ثَلَاثَة أَشْيَاء: السَّمَاوَات وَالْمَلَائِكَة وَالْجنَّة، إِلَى ثَلَاث سَاعَات بقيت من يَوْم الْجُمُعَة، فخلق فِي السَّاعَة الأولى الْأَوْقَات، وَفِي الثَّانِيَة الأرزاق، وَفِي الثَّالِثَة آدم ﵇. قَالَ الثَّعْلَبِيّ فِي كِتَابيه " العرائس "، و" التَّفْسِير " حِين ذكر بَدْء الأَرْض: إِن الله تَعَالَى خلق جَوْهَرَة خضراء، ثمَّ نظر إِلَيْهَا بالهيبة فَصَارَت مَاء، فخلق الأَرْض من زبده، وَالسَّمَاء من بخاره، فَأول مَا ظهر على وَجه الأَرْض مَكَّة. زَاد غَيره ثمَّ الْمَدِينَة، ثمَّ بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ دحى الأَرْض مِنْهَا طبقًا وَاحِدًا، ثمَّ فتقها بعد ذَلِك وَكَذَلِكَ السَّمَاء؛ لقَوْله تَعَالَى: " أَو لم ير الَّذين كفرُوا أَن السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رتقًا ففتقناهما ". ثمَّ حمل الأَرْض على عاتق ملك، وَالْملك وَاقِف على ياقوتة خضراء، والياقوتة على سَنَام الثور، واسْمه يونان حَكَاهُ الْكسَائي، والثور على صَخْرَة خضراء، وَهِي الْمَذْكُورَة فِي سُورَة لُقْمَان والصخرة على النُّون، وَهُوَ الْحُوت، واسْمه لوثيا، وَقيل: بهموت، وَقيل: بنموت، والحوت على الْبَحْر، وَالْبَحْر على الرّيح، وَالرِّيح على الْقُدْرَة، وَهَذَا الْحُوت الَّذِي يَأْكُل أهل الْجنَّة كبده، وَهُوَ الْمَذْكُور فِي سُورَة ن والقلم، وَقيل المُرَاد بِهِ: الدواة. فَهَذَا بَدْء الدُّنْيَا. وَأول من سكن الأَرْض بعد الْجِنّ آدم وَذريته إِلَى زمن نوح ﵇، ثمَّ قسم نوح الأَرْض بَين أَوْلَاده: سَام وَحَام وَيَافث: إِن الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف فَرسَخ، اثْنَا عشر ألفا للسودان، وَثَمَانِية آلَاف للروم، وَثَلَاثَة آلَاف لفارس، وَألف للْعَرَب، وَقيل: الدُّنْيَا دِرْهَم خَمْسَة أسداسه للروم، وَحَام

1 / 23

أَبُو السودَان، وَيَافث أَبُو الرّوم وَالتّرْك ويأجوج، وسام أَبُو الْعَرَب. وَقيل: سَام أَبُو الْعَرَب وَفَارِس وَالروم، وَفَارِس وَالروم تنْسب إِلَى جدهم روم بن عيص. وَقيل: بَنو الْأَصْفَر مُلُوك الرّوم، والأصفر اسْم نتالوس بن روم أول مُلُوك الرّوم. وَقَالَ وهب بن مُنَبّه فِي كِتَابه " التيجان ": إِن إِسْحَاق ولد لَهُ يَعْقُوب وعيص، فيعقوب هُوَ إِسْرَائِيل أَبُو الأسباط، وَهُوَ بالعربي صفوة الله، وعيص هُوَ الْأَصْفَر، سمى بِهِ؛ لِأَن النيروز كَانَ عِنْدهم عيدًا فحلته جدته سارة بِالذَّهَب فِي ذَلِك الْيَوْم، وَدخلت بِهِ على إخْوَته، فَقيل لَهُ: الْأَصْفَر؛ لصفرة الذَّهَب. وَقيل: إِنَّه كَانَ أسمر إِلَى الصُّفْرَة، وَهُوَ مَوْجُود فِي ذُريَّته إِلَى الْيَوْم. وَأما الْعَرَب فَمن ولد إِسْمَاعِيل؛ لِأَن ولد إِسْمَاعِيل نشأوا من عربه، وعربه من تهَامَة فنسبوا إِلَيْهَا وَقَالَ قَتَادَة: الأَرْض عشرُون ألف فَرسَخ؛ اثْنَا عشر ألفا للسند والهند، وَثَمَانِية آلَاف ليأجوج وَمَأْجُوج، وَثَلَاثَة آلَاف للروم والعجم، وَألف للْعَرَب. ومعمور الأَرْض هُوَ جُزْء من اسْتِوَاء الشَّمْس على وسط كرة الأَرْض إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط بِالْأَرْضِ، وَهُوَ المسكون الَّذِي قسمه نوح ﵇ بَين أَوْلَاده، فقسم سَام وسط الأَرْض مِنْهُ بَيت الْمُقَدّس والنيل والفرات ودجلة وسيحون وجيحون، وَذَلِكَ مَا بَين قاسيون إِلَى شَرْقي النّيل، وَمَا بَين منخر الرّيح الجنوبي إِلَى منخر الرّيح الشمالي، ولحام قسمه الرّيح النّيل إِلَى وَمَا وَرَاءه إِلَى منخر الرّيح الدبور، وليافث من قاسيون وَمَا وَرَاءه إِلَى منخر الصِّبَا. وَقيل: إِن الْعَجم من وَرَاء الْبَحْر مسيرَة اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وبلاد الرّوم مسيرَة خمس سِنِين، وبلاد منسك عَن يَمِين الدُّنْيَا مسيرَة خَمْسَة عشر سنة، وبلاد يَأْجُوج مسيرَة مائَة سنة، وَقيل: الأَرْض سِتَّة أَجزَاء خَمْسَة مِنْهَا ليأجوج وَمَأْجُوج وجزء لِلْخلقِ حَكَاهُ

1 / 24

الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ المنجمون: الأَرْض أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ قيراطًا العامر مِنْهَا أَرْبَعَة قراريط وَكسر. وَقيل: مَا العامر فِي الخراب إِلَّا كفسطاط فِي فلاة من الأَرْض حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي درياق الْقُلُوب وَقَالَ فِي كِتَابه المدهش: الإقليم الأول: إقليم الْهِنْد، وَالثَّانِي: إقليم الْحجاز، وَالثَّالِث: إقليم مصر، وَالرَّابِع: إقليم بابل، وَالْخَامِس: إقليم الشَّام، وَالسَّادِس: إقليم بِلَاد التّرْك، وَالسَّابِع: إقليم بِلَاد الصين، كل إقليم مائَة فَرسَخ، وأوسطها إقليم بابل وَفِيه الْعرَاق الَّتِي هِيَ سرة الدُّنْيَا. والحجاز هُوَ مَكَّة وَالْمَدينَة واليمن وتحاليفها وقراها، وَسمي حجازًا؛ لِأَنَّهُ حجز بَين السُّرَّة ونجد. وَقيل: لِأَنَّهُ حجز بَين الشَّام والبادية وَقيل: لِأَنَّهُ حجز بَين نجد والعور. رَجعْنَا إِلَى مَا نَحن فِيهِ عَن كَعْب الْأَحْبَار قَالَ: كَانَت الْكَعْبَة غثاء على المَاء قبل أَن يخلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِأَرْبَعِينَ سنة، وَمِنْهَا دحيت الأَرْض. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما كَانَ الْعَرْش على المَاء قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض، بعث الله ريحًا هفافة فصفقت المَاء فأبرزت عَن خشفة. فِي مَوضِع الْبَيْت كَأَنَّهَا قبَّة، فدحى الله الأَرْض من تحتهَا فمادت ثمَّ مادت فأوتدها بالجبال، وَكَانَ أول جبل وضع فِيهَا أَبُو قبيس فَلذَلِك سميت مَكَّة أم الْقرى. وَفِي رِوَايَة: خلق الله مَوضِع الْبَيْت قبل أَن يخلق الأَرْض بألفي سنة، وَإِن قَوَاعِده لفي الأَرْض السَّابِعَة السُّفْلى. وَأجْمع الْعلمَاء على أَن الْكَعْبَة أول بَيت وضع للعباد، وَاخْتلفُوا هَل هُوَ

1 / 25

أول بَيت وضع لغَيْرهَا أم لَا؟ فَقيل: كَانَت قبله بيُوت. وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَنه أول بَيت وضع مُطلقًا. وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الْبَيْت الْمَعْمُور الَّذِي فِي السَّمَاء يُقَال لَهُ: الضراح، وَهُوَ على الْبَيْت الْحَرَام لَو سقط سقط عَلَيْهِ يعمره كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك لم يروه قطّ، وَإِن فِي السَّمَاء السَّابِعَة حرما على قدر حرمه ". رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق وَفِي رِوَايَة " يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف دحْيَة مَعَ كل دحْيَة سَبْعُونَ ألف ملك ". والدحية: رَئِيس الْجند، والضراح بالضاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْمَشْهُور، وَقيل بِالْمُهْمَلَةِ مَضْمُومَة بعْدهَا رَاء ثمَّ ألف حاء ثمَّ حاء مُهْملَة، وَقَالَ مُجَاهِد: الْبَيْت الْمَعْمُور يَعْنِي بالضاد هُوَ الضريح بِالْمُعْجَمَةِ، والضريح فِي اللُّغَة الْبعيد. وَعَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " هَذَا الْبَيْت خَامِس خَمْسَة عشر بَيْتا، سَبْعَة مِنْهَا فِي السَّمَاء إِلَى الْعَرْش، وَسَبْعَة مِنْهَا إِلَى تخوم الأَرْض، وأعلاها الَّذِي يَلِي الْعَرْش الْبَيْت الْمَعْمُور، لكل بَيت مِنْهَا حرم كحرم هَذَا الْبَيْت، لَو سقط مِنْهَا بَيت لسقط بَعْضهَا إِلَى تخوم الأَرْض السُّفْلى، وَلكُل بَيت من أهل السَّمَاء وَمن أهل الأَرْض من يعمره، كَمَا يعمر هَذَا الْبَيْت ".
فصل: ذكر بِنَاء الْمَلَائِكَة الْكَعْبَة قبل آدم ومبتدأ الطّواف
عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵄ وَقد سُئِلَ عَن بَدْء الطّواف

1 / 26

بِالْبَيْتِ: إِن الله تَعَالَى قَالَ: " إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة ". قَالَت الْمَلَائِكَة: أَي رب أخليفة من غَيرنَا مِمَّن يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء، فَغَضب عَلَيْهِم فلاذوا بالعرش وَرفعُوا رؤوسهم وأشاروا بالأصابع يَتَضَرَّعُونَ ويبكون إشفاقًا لغضبه، فطافوا بالعرش ثَلَاث سَاعَات. وَفِي رِوَايَة: سَبْعَة أطواف يسترضون رَبهم فَرضِي عَنْهُم، وَقَالَ لَهُم: ابْنُوا لي فِي الأَرْض بَيْتا يعوذ بِهِ كل من سخطت عَلَيْهِ من خلقي فيطوف حوله كَمَا فَعلْتُمْ بعرشي فَأغْفِر لَهُ كَمَا غفرت لكم فبنوا الْبَيْت ". ويروى: أَن الله تَعَالَى بعث مَلَائِكَة، فَقَالَ: ابْنُوا لي بَيْتا على مِثَال الْبَيْت الْمَعْمُور وَقدره فَفَعَلُوا، وَأمر الله أَن يُطَاف بِهِ كَمَا يُطَاف بِالْبَيْتِ الْمَعْمُور. وَإِن هَذَا كَانَ قبل خلق آدم ﵇، وَقبل خلق الأَرْض بألفي عَام، وَإِن الأَرْض دحيت من تَحْتَهُ، وَلذَلِك سميت مَكَّة أم الْقرى أَي أصل الْقرى. ويروى: أَنه كَانَ قبل هبوط آدم ياقوتة من يَوَاقِيت الْجنَّة، وَكَانَ لَهُ بَابَانِ من زمرد أَخْضَر شَرْقي وَغَرْبِيٌّ وَفِيه قناديل من قناديل الْجنَّة.
فصل: ذكر هبوط آدم ﵇ إِلَى الأَرْض وبنائه الْكَعْبَة وحجه وطوافه بِالْبَيْتِ
عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما أهبط آدم إِلَى الأَرْض كَانَ رَأسه فِي السَّمَاء وَرجلَاهُ فِي الأَرْض وَهُوَ مثل الْفلك من رعدته. قَالَ: فطأطأ الله ﷿ مِنْهُ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعا، فَقَالَ: يَا رب مَا لي لَا أسمع أصوات الْمَلَائِكَة وَلَا حسهم قَالَ: خطيئتك يَا آدم، وَلَكِن اذْهَبْ فَابْن لي بَيْتا فَطُفْ بِهِ، واذكرني حوله كنحو مَا رَأَيْت الْمَلَائِكَة تصنع حول عَرْشِي. قَالَ: فَأقبل آدم يتخطى فطويت لَهُ الأَرْض وَصَارَت كل مفازة يمر بهَا خطْوَة، وقيض لَهُ مَا كَانَ من مَخَاض أَو بَحر فَجعل لَهُ خطْوَة وَفِي رِوَايَة: أَن خطوه مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَلم تقع قدمه فِي شَيْء من الأَرْض إِلَّا صَار عمرانًا وبركة حَتَّى انْتهى إِلَى مَكَّة فَبنى الْبَيْت الْحَرَام، وَأَن جِبْرِيل ﵇ ضرب بجناحه الأَرْض فأبرز عَن أس ثَابت فِي الأَرْض السُّفْلى فَقَذَفْتُ فِيهِ الْمَلَائِكَة الصخر " مَا يُطيق " الصَّخْرَة مِنْهَا ثَلَاثُونَ رجلا، وبناه من

1 / 27

خَمْسَة أجبل من: لبنان وطور زيتًا وطور سيناء والجودي وحراء حَتَّى اسْتَوَى على وَجه الأَرْض. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَكَانَ أول من أسس الْبَيْت وَصلى فِيهِ وَطَاف بِهِ أَدَم ﵇ حَتَّى بعث الله الطوفان، وَكَانَ غَضبا ورجسًا فَحَيْثُ مَا انْتهى الطوفان ذهب ريح آدم، وَلم يقرب الطوفان أَرض السَّنَد والهند. قَالَ: فدرس مَوضِع الْبَيْت فِي الطوفان حَتَّى بعث الله تَعَالَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل فرفعا قَوَاعِده وأعلامه، وبنته قُرَيْش بعد ذَلِك. ويروى أَنه لما هَبَط إِلَى الأَرْض بِأَرْض الْهِنْد وَاشْتَدَّ بكاؤه وحزنه وَتَابَ الله عَلَيْهِ أَمر بالسير إِلَى مَكَّة حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا، فَعَزاهُ الله بخيمة من خيام الْجنَّة ووضعها لَهُ مَوضِع الْكَعْبَة، وَتلك الْخَيْمَة ياقوتة حَمْرَاء من يَوَاقِيت الْجنَّة، فِيهَا ثَلَاث قناديل من ذهب من تبر الْجنَّة، فِيهَا نور يلتهب من نور الْجنَّة، وَنزل مَعَه الرُّكْن ياقوتة بَيْضَاء من ربض الْجنَّة وَكَانَ كرسيًا لآدَم ﵇ يجلس عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَار آدم بِمَكَّة حرسه الله وحرس لَهُ تِلْكَ الْخَيْمَة بِالْمَلَائِكَةِ، كَانُوا يحرسونها ويذودون عَنْهَا سَاكِني الأَرْض، وسكانها يَوْمئِذٍ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، وَلَا يَنْبَغِي لَهُم أَن ينْظرُوا إِلَى شَيْء من الْجنَّة؛ لِأَنَّهُ من نظر إِلَى شَيْء من الْجنَّة وَجَبت لَهُ، وَالْأَرْض يَوْمئِذٍ طَاهِرَة نقية لم تنجس وَلم تسفك فِيهَا الدِّمَاء وَلم يعْمل فِيهَا الْخَطَايَا، فَلذَلِك جعلهَا الله مسكن الْمَلَائِكَة وجعلهم فِيهَا كَمَا كَانُوا فِي السَّمَاء يسبحون اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يفترون، وَكَانَ وقوفهم فِي أَعْلَام الْحرم صفا وَاحِدًا مستديرين بِالْحرم كُله، الْحل من خَلفهم وَالْحرم كُله من أمامهم فَلَا يجوز بهم جني وَلَا شَيْطَان، فَمن أجل مقَام الْمَلَائِكَة حرم الْحرم حَتَّى الْيَوْم وَوضعت أَعْلَامه حَيْثُ كَانَ مقَام الْمَلَائِكَة، وَحرم الله على حَوَّاء دُخُول الْحرم وَالنَّظَر إِلَى خيمة آدم من أجل خطيئتها فَلم تنظر إِلَيْهَا حَتَّى قبضت، وَكَانَ آدم إِذا أَرَادَ أَن يلم بَقَاء للْوَلَد خرج من الْحرم كُله حَتَّى يلقاها، فَلم تزل خيمة آدم مَكَانهَا حَتَّى قَبضه الله ورفعها، وَبنى بَنو آدم من بعْدهَا مَكَانهَا بَيْتا بالطين وَالْحِجَارَة فَلم يزل معمورًا يعمرونه وَمن بعدهمْ حَتَّى كَانَ زمن نوح فنسفه الْغَرق وخفى مَكَانَهُ، فَلَمَّا بعث الله إِبْرَاهِيم طلب الأساس فَلَمَّا وصل

1 / 28

إِلَيْهِ ظلل الله مَكَان الْبَيْت بغمامة فَكَانَت حفاف الْبَيْت الأول، وَلم تزل راكدة على حفافه تظل إِبْرَاهِيم وتهديه مَكَان الْبَيْت حَتَّى رفع الْقَوَاعِد قامة ثمَّ انكشفت الغمامة. ويروى أَنه لما أهبطه الله إِلَى الأَرْض أهبطه إِلَى مَوضِع الْبَيْت الْحَرَام واشتاق إِلَى الْجنَّة فَأنْزل الله عَلَيْهِ الْحجر الْأسود وَهُوَ ياقوتة من يَوَاقِيت الْجنَّة فَأَخذه آدم فضمه إِلَيْهِ استئناسًا بِهِ، فَقيل لَهُ: تخطى يَا آدم فتخطا فَإِذا هُوَ بِأَرْض الْهِنْد فَمَكثَ مَا شَاءَ الله ثمَّ استوحش إِلَى الرُّكْن، فَقيل لَهُ: احجج فحج فَلَقِيته الْمَلَائِكَة فَقَالُوا: بر حجك يَا آدم فقد حجَجنَا هَذَا الْبَيْت قبلك بألفي عَام. وَذكر الْأَزْرَقِيّ أَن الْمَلَائِكَة لَقيته بالمأزمين وَفِي رِوَايَة بالردم، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي الطّواف ويروى: أَنه أَقَامَ بِمَكَّة يعبد الله عِنْد الْبَيْت فَلم تزل دَاره حَتَّى قَبضه الله بهَا ويروى: أَن الله تَعَالَى أنزل الْبَيْت الْحَرَام ياقوتة مجوفة مَعَ آدم فَقيل لَهُ: إِن هَذَا بَيْتِي أنزلته مَعَك يُطَاف حوله كَمَا يُطَاف حول عَرْشِي، وَنزلت مَعَه الْمَلَائِكَة فَرفعُوا قَوَاعِده من حِجَارَة فَوضع الْبَيْت عَلَيْهِ فَلَمَّا أغرق الله قوم نوح رَفعه إِلَى السَّمَاء وَبقيت قَوَاعِده. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ آدم أول من أسس الْبَيْت وَصلى فِيهِ. وَعنهُ قَالَ: حج آدم فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا فَلَقِيته الْمَلَائِكَة فِي الطّواف، فَقَالُوا: بر حجك يَا آدم أما إِنَّا قد حجَجنَا قبلك هَذَا الْبَيْت بألفي عَام. قَالَ: فَمَا كُنْتُم تَقولُونَ فِي الطّواف؟ قَالُوا: كُنَّا نقُول: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر. قَالَ آدم: فزيدوا فِيهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. فزادت فِيهَا ذَلِك، ثمَّ حج إِبْرَاهِيم بعد بنائِهِ الْبَيْت فَلَقِيته الْمَلَائِكَة فِي الطّواف فَسَلمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُم إِبْرَاهِيم: مَاذَا كُنْتُم تَقولُونَ فِي طوافكم؟ قَالُوا: كُنَّا نقُول قبل أَبِيك آدم: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر. فَقَالَ آدم: زيدوا فِيهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.

1 / 29

Histoire de La Mecque | Usul