مصايب اليهود
وأمر لويس التاسع بإلغاء ثلث ما كان لهم على رعاياه المسيحيين من الدين، ثم أصدر إرادة ملكية بحرق جميع كتبهم المقدسة، وقد قال أحد المؤرخين: إنهم حرقوا في باريس وحدها محمول أربع وعشرين مركبة من نسخ التلمود وغيرها، وفي عهد فيليب الجميل طردوا من فرنسا وأصابهم من القتل والنهب والظلم شيء كثير، لكن مالية البلاد تضعضعت بعد انفصالهم عنها فلم ير الملك بدا من إرجاعهم إليها بعد اثنتي عشرة سنة من نفيهم، وأذن لهم بتحصيل ديونهم على شرط أن يدفعوا ثلثيها للملك! وفي سنة 1321 هاج عليهم الشعب في أواسط فرنسا، وذبحوا منهم عددا كبيرا ، وقد قال أحد الكتاب في وصف المذابح: إن ما ارتكبه الفرنسويون في ذلك الحين لمما تقشعر له الأبدان، حتى إن اليهود في فرون رموا بأولادهم إلى الأرض من أعالي برج حصرتهم فيه الغوغاء لما أصابهم من الجنون والذهول لقسوة مواطنيهم، لكن ذلك لم يحرك شفقة أولئك البرابرة الذين كانوا يطلبون دماء ذلك الشعب التعيس المكروه، وعقب هذه المذبحة الوباء، فاتهم اليهود أفظع التهمة وأقبحها، وقامت عليهم القيامة حتى قيل: إنهم أحرقوا في بعض الأقاليم جميع من كان فيها من اليهود وحفروا في شينون حفرة عميقة ألقوا فيها 160 رجلا وامرأة وأحرقوهم فيها، وقد أطنب مؤرخو هذه الحوادث بشجاعة اليهود وصبرهم وشدة تمسكهم بعقيدتهم في الضيق والشدة، حتى قال أحدهم: إنه لم يقم بين شهداء المسيحيين من أبدى عزما وثباتا كعزم اليهود وثباتهم وهم يقادون إلى القتل والذبح والحريق، فإنهم كانوا يسيرون مترنمين بالمزامير كأنهم سائرون إلى عرس، وفي أواخر القرن الرابع عشر نفوا تماما من أواسط فرنسا.
اليهود في إنكلترا
ويظن أن اليهود جاءوا إنكلترا مع السكسون وقد ورد ذكرهم في بعض النظامات الدينية سنة 740ب.م وسنة 833ب.م، ولقوا معاملة حسنة من وليم الفاتح وابنه وليم روفس، ويروى أن وليم روفس هذا أقسم في خلال جدال دار بين الأساقفة والحاخاميين ليصيرن يهوديا إذا فاز الحاخامون، وزاد على ذلك أن وهبهم كراسي جميع الأبرشيات الفارغة، وكان لهم ثلاث كليات في جامعة إكسفورد لذلك العصر يدرسون فيها العبرانية لأبنائهم ولمن شاء من المسيحيين، ولكن ذلك لم يطل فأخذ الشعب يتذمر من زيادة ثروتهم ونجاحهم في الأعمال والتجارة، وتحول التذمر إلى كره، وقد جاء في أحد التواريخ أن أحدهم وقف ينظر تتويج الملك ريكارد المعروف بقلب الأسد، وكان ذلك محظورا عليهم فهاج الشعب وثاروا عليهم، ونهبوا بيوتهم، فغضب الملك وأمر بمعاقبة الجانين فشنق منهم ثلاثة، ولكن تعصب الكهنة حال دون تحقيق رغائبه من إجراء العدالة ومعاقبة جميع المذنبين، ولما ذهب ريكارد إلى فلسطين في الحرب الصليبية الثالثة ساءت أحوالهم جدا وخيروا في بعض المدن بين الموت أو اعتناق النصرانية فاختاروا الموت، ومن يطالع رواية إيفانهو «الشهامة والعفاف» لولتر سكوت ير ما حل بهم في ذلك العصر من الإرهاق والظلم، ويعجب لثباتهم على دينهم ومعتقدهم في وسط تلك الاضطهادات التي ثارت عليهم، نعم لقد كان في الإنكليز قوم من ذوي الشهامة دافعوا عنهم، ولكنهم كانوا نفرا قليلا لا يحسبون شيئا في جنب الذين نقموا عليهم وأرادوا بهم السوء، ولما عاد الملك ريكارد من فلسطين انتعشت آمالهم وصارت حياتهم في أمان، وأكرمهم الملك يوحنا إكراما زائدا، ثم انقلب عليهم وأمر بنهبهم وحبسهم في جميع أنحاء المملكة وأصابهم أذى شديد في أيام الملك هنري الثالث، واتهمهم البعض بأنهم ينزعون جزءا من ذهب النقود وفضتها بعد أن يقبضوها، ثم يدفعونها إلى التجار.
فأصدر ذلك الملك أمره إليهم سنة 1230 بأن يدفعوا إلى الخزينة ثلث أموالهم المنقولة، وفي أثناء ذلك اتهموا بصلب ولد من أولاد المسيحيين اسمه «هيولنكولن»، وهي تهمة اتضح فسادها بعدئذ، وتبين بأجلى بيان أنها أذيعت بقصد الإيقاع بهم في زمان لم يدخر أعداؤهم فيه جهدا لإهلاكهم وخرابهم، ولم تتحسن أحوالهم بتبوء إدورد عرش المملكة، ولكن بعض الإنكليز حاول أن يثنيهم عن الربا كما حاول غيرهم ذلك في فرنسا فلم يفلح؛ لأن اليهود كانوا ممنوعين عن معاطاة الأعمال الأخرى طبقا للأوامر الملكية العديدة التي صدرت بشأنهم؛ ولأن كره الناس لهم في أوروبا جمعاء حال بينهم وبين اهتمامهم بالصناعات والزراعة لكثرة ما كان يصيبهم من النهب والظلم، وما ينزل بهم من الضيم والأذى، ولما اشتد بهم الأمر في إنكلترا ضاقت بهم سبل الوجود توسلوا إلى الملك أن يأذن لهم بمغادرة البلاد، فأقنعهم بالبقاء، لكن الأمة بأسرها قامت عليهم سنة 1290 فأخرجتهم من إنكلترا، فخلفوا في يد الملك جميع أموالهم وديونهم ورهنهم، وارتحلوا إلى فرنسا وجرمانيا، ويقدر عددهم حينئذ بنحو ستة عشر ألف نفس.
اليهود في جرمانيا
دخل اليهود جرمانيا
9
في عهد الإمبراطور قسطنطين الكبير, وانتشروا في القرن الثامن في المدن الواقعة على ضفاف نهر الرين، وفي القرن العاشر حلوا في سكسونيا وبوهيميا، وفي القرن الحادي عشر أتوا فرانكونيا وسوابيا وفينا، وفي القرن الثاني عشر نزلوا في براندنبرج وسليزيا، ولم يكن نصيبهم من جرمانيا بأحسن منه في غيرها، فأجبروا على تأدية الضرائب الباهظة على اختلاف أنواعها، وأرغموا على تقديم الهدايا للأمبراطرة والأمراء والحكام استعطافا لهم وترضية، وكان الأمراء في تلك العصور إذا عضتهم الحاجة أغاروا على اليهود فسلبوهم مقتنياتهم، ثم جاءت الحرب الصليبية ضغثا على إبالة، فهاج الرأي العام، وقامت عليهم القيامة فصبغت المدن بدمائهم وظل القتل والذبح منتشرا فيهم، والظلم والجور لاحقين بهم إلى أن صدرت الأوامر بطردهم من أنحاء تلك البلاد المختلفة في أزمنة متتابعة، وذلك بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر حتى لم يكد يبقى منهم واحد فيها، لكنهم ظلوا مدة هذه الاضطهادات متمسكين بمعتقدهم محافظين على دينهم، صابرين على بلواهم صبر الكرام، حتى إذا ما حرقت الغوغاء كنائسهم ألقوا بنفوسهم في النار حبا بدينهم، ولم يطل زمان غيابهم عن جرمانيا لافتقارها إليهم، فعادوا إليها وأذن لهم في بعض المدن باتخاذ الرعوية المحلية وباقتناء العقارات، لكنهم ما برحوا معرضين لطمع الأمبراطرة والملوك والأمراء الذين كانوا يلغون ما لليهود عليهم من الديون حينا بعد آخر تخلصا منها على أسهل منوال، وكان عليهم في بعض المدن أن يسكنوا شوارع خاصة بهم تعرف «بحي اليهود».
اليهود في سويسرا
Page inconnue