Histoire des philosophes de l'Islam: une étude complète sur leur vie, leur travail et une critique analytique de leurs opinions philosophiques
تاريخ فلاسفة الإسلام: دراسة شاملة عن حياتهم وأعمالهم ونقد تحليلي عن آرائهم الفلسفية
Genres
سبق أن قلنا إن إخوان الصفا كانوا يجتمعون سرا، ويتباحثون في الفلسفة على أنواعها حتى صار لهم فيها مذهب خاص، ولما كان لهذه الجماعة دستور أتبعوه في حياتهم وأرادوا تعميمه بين من كان على شاكلتهم في سائر الأقطار، فقد أردنا أن نلخص هذا القانون لما فيه من الحكمة التاريخية.
فقد فرضوا على من كان مثلهم من الجماعات أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات معلومة لا يداخلهم فيه غيرهم، يتذاكرون فيه علومهم ويتحاورون فيه أسرارهم، وينبغي أن تكون مذاكراتهم أكثرها في علم النفس والحس والمحسوس والعقل والمعقول والنظر والبحث عن أسرار الكتب الإلهية والتنزيلات النبوية ومعاني ما يتضمنها موضوعات الشريعة، وينبغي أيضا أن يتذاكروا العلوم الرياضية الأربعة وهي: العدد والهندسة والتنجيم والتأليف.
وأما أكثر عناياتهم وقصدهم فينبغي أن يكون البحث عن العلوم الإلهية التي هي الغرض الأقصى، وبالجملة ينبغي لهم أن لا يعادوا علما من العلوم أو يهجروا كتابا من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأي إخوان الصفا ومذهبهم يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعها، وذلك أنه هو النظر في جميع الموجودات بأسرها الحسية والعقلية من أولها إلى آخرها ظاهرها وباطنها وجليها وخفيها، بعين الحقيقة من حيث هي كلها من مبدأ واحد وعلة واحدة وعالم واحد ونفس واحدة محيطة جواهرها المختلفة وأجناسها المتباينة. (4) مصادر علوم إخوان الصفا
وقد ذكر إخوان الصفا في رسالتهم الثانية أن علومهم مأخوذة من أربعة كتب، أحدها الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيات والطبيعيات، الثاني الكتب المنزلة التي جاءت بها الأنبياء مثل التوراة والإنجيل والفرقان، وغيرها من صحف الأنبياء المأخوذة معانيها بالوحي من الملائكة وما فيها من الأسرار الخفية.
والثالث الكتب الطبيعية وهي صور أشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك وأقسام البروج وحركات الكواكب ومقادير أجرامها، وتصاريف الزمان واستحالة الأركان وفنون الكائنات من المعادن والحيوان والنبات، وأصناف المصنوعات على أيدي البشر، كل هذه صور وكنايات وآلات على معان لطيفة وأسرار دقيقة، يرى الناس ظاهرها ولا يعرفون معاني بواطنها من لطيف صفة الباري جل ثناؤه.
والرابع الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون الملائكة التي هي بأيدي سفرة كرام بررة، وهي جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها وجزئياتها وتصاريفها للأجسام وتحريكها لها وتدبيرها إياها وتحكمها عليها وإظهار أفعالها بها ومنها، حالا بعد حال في ممر الزمان وأوقات القرانات والأدوار وانحطاط بعضها تارة إلى قعر الأجسام، وارتفاع بعضها تارة من ظلمات الجثمان، وانبعاثها من نوم الغفلة والنسيان، وحشرها إلى الحساب والميزان، وجوازها على الصراط، ووصولها إلى الجنان أو حبسها في دركاتها الهاوية والنيران أو مكثها في البرزخ أو وقوفها على الأعراف. (5) آراؤهم في الصداقة
وينبغي لإخوان الصفا إذا أراد أحدهم أن يتخذ صديقا أن يعتبر أحواله ويتعرف أخباره ويجرب أخلاقه ويسأله عن مذهبه واعتقاده، ليعلم هل يصلح للصداقة وصفاء المودة وحقيقة الأخوة أم لا.
واعلم بأن شر الطوائف كلها من لا يؤمن بيوم الحساب، وشر الأخلاق كبر إبليس وحرص آدم وحسد قابيل، وهي أمهات المعاصي واعلم بأن الناس مطبوعون على أخلاقهم بحسب اختلاف تركيب أجسادهم.
واعلم بأن من الناس من هو مطبوع على خلق واحد أو عدة من أخلاق محمودة ومذمومة.
فينبغي لك إذا أردت أن تتخذ صديقا أو أخا أن تنتقده كما تنتقد الدراهم والدنانير والأرضين الطيبة التربة للزرع والغرس، وكما ينتقد أبناء الدنيا أمر التزويج وشراء المماليك والأمتعة التي يشترونها.
Page inconnue