334

ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكرياء ويدني مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمرا دونه وإنه هوي أن يتزوج ابنة امرأة له فسأل يحيى عن ذلك فنهاه عن نكاحها وقال لست أرضاها لك فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها فعمدت إلى الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها من الحلي وألبستها فوق ذلك كساء أسود فأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تعرض له فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها ذلك سألته أن تؤتى برأس يحيى بن زكرياء في طست ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له فلما أخذ فيه الشراب أرادها على نفسها فقالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال ما تسأليني قالت أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكرياء فأوتى برأسه في هذا الطست فقال ويحك سليني غير هذا قالت ما أريد أن أسألك إلا هذا قال فلما أبت عليه بعث إليه فأتي برأسه والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم فوق التراب يغلي فألقي عليه التراب أيضا فارتفع الدم فوقه فلم يزل يلقى عليه التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي وبلغ صيحائين فنادى في الناس وأراد أن يبعث إليهم جيشا ويؤمر عليهم رجلا فأتاه بختنصر فكلمه وقال إن الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف فإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها فابعثني فبعثه فسار بختنصر حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلم يطقهم فلم ااشتد عليه المقام وجاع أصحابه أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت أين أمير الجند فأتي به إليها فقالت إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة قال نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني فقالت أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف قال لها نعم قالت إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها فقالت له كف يدك اقتل على هذا الدم حتى يسكن فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير فقتل عليه حتى سكن فقتل سبعين ألف رجل وامرأة فلما سكن الدم قالت له كف يدك فإن الله عز وجل إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضي قتله فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته وخرب بيت المقدس وأمر به أن تطرح فيه الجيف وقال من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وعليا وعزريا وميشائيل هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس الجالوت فلما قدم أرض بابل وجد صيحائين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس فوشوا بهم إليه فقالوا إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون من ذبيحتك فدعاهم فسألهم فقالوا أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم وأمر بخد فخد فألقوا فيه وهم ستة وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم فقالوا انطلقوا فلنأكل ولنشرب فذهبوا فأكلوا وشربوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا ولم ينكأه شيئا فوجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة فقال ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج إليه السابع وكان ملكا من الملائكة فلطمه لطمة فصار في الوحش فكان فيهم سبع سنين

قال أبو جعفر وهذا القول الذي روي عمن ذكرت في هذه الأخبار التي رويت وعمن لم يذكر في هذا الكتاب من أن بختنصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكرياء عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين في الجاهلية وعند غيرهم من أهل الملل غلط وذلك أنهم بأجمعهم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا وبين عهد إرميا وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكرياء أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة في قول اليهود والنصارى ويذكرون أن ذلك عندهم في كتبهم واسفارهم مبين وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمرانها في عهد كيرش بن أخشويرش أصبهبذ بابل من قبل أردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب ثم من قبل ابنته خماني سبعين سنة ثم من بعد عمرانها إلى ظهور الإسكندر عليها وحيازة مملكتها إلى مملكته ثمانيا وثمانين سنة ثم من بعد مملكة الإسكندر لها إلى مولد يحيى بن زكرياء ثلاثمائة سنة وثلاث سنين فذلك على قولهم أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة

Page 347