La Taqiyya
التقية
Enquêteur
الشيخ فارس الحسون
Édition
الأولى
Année de publication
1412 AH
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
التقية: اسم لاتقى يتقي، والتاء بدل عن الواو كما في التهمة والتخمة.
والمراد هنا: التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق..
والكلام تارة يقع في حكمها التكليفي، وأخرى في حكمها الوضعي.
والكلام في الثاني تارة من جهة الآثار الوضعية المترتبة على الفعل المخالف للحق، وأنها تترتب على الصادر تقية كما تترتب على الصادر اختيارا، أم وقوعه تقية يوجب رفع تلك الآثار، وأخرى في أن الفعل المخالف للحق هل تترتب عليه آثار الحق بمجرد الإذن فيها من قبل الشارع أم لا؟
ثم الكلام في آثار الحق الواقعي قد يقع في خصوص الإعادة والقضاء إذا
Page 37
كان الفعل الصادر تقية من العبادات، وقد يقع في الآثار الأخر، كرفع الوضوء الصادر تقية للحدث بالنسبة إلى جميع الصلوات، وإفادة المعاملة الواقعة تقية الآثار المترتبة على المعاملة الصحيحة.
فالكلام في مقامات أربعة:
* * *
Page 38
أما الكلام في حكمها التكليفي (1):
فهو أن التقية تنقسم إلى الأحكام الخمسة:
فالواجب منها: ما كان لدفع الضرر الواجب فعلا، وأمثلته كثيرة.
والمستحب: ما كان فيه التحرز عن معارض الضرر: بأن يكون تركه مفضيا تدريجا إلى حصول الضرر، كترك المداراة مع العامة وهجرهم في المعاشرة في بلادهم، فإنه ينجر غالبا إلى حصول المباينة الموجب لتضرره منهم.
والمباح: ما كان التحرز عن الضرر وفعله مساويا في نظر الشارع، كالتقية في إظهار كلمة الكفر على ما ذكره جمع من الأصحاب، ويدل عليه الخبر الوارد في رجلين أخذا بالكوفة وأمرا بسب أمير المؤمنين صلوات الله عليه (2).
والمكروه: ما كان تركها وتحمل الضرر أولى من فعله، كما ذكر ذلك بعضهم في إظهار كلمة الكفر، وأن الأولى تركها ممن يقتدي به الناس، إعلاء لكلمة الاسلام، والمراد بالمكروه حينئذ ما يكون ضده أفضل.
والمحرم منه: ما كان في الدماء.
وذكر الشهيد قدس سره (3) في قواعده:
Page 39
أن المستحب: إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا ويتوهم ضررا آجلا أو ضررا سهلا، أو كان تقية في المستحب، كالترتيب في تسبيح الزهراء صلوات الله عليها وترك بعض فصول الأذان.
والمكروه: التقية في المستحب حيث لا ضرر عاجلا ولا آجلا، ويخاف منه الالتباس على عوام المذهب.
والحرام: التقية حيث يؤمن الضرر عاجلا وآجلا، أو في قتل مسلم.
والمباح: التقية في بعض المباحات التي ترجحها العامة ولا يصل (1) بتركها ضرر (2)، انتهى.
وفي بعض ما ذكره قدس سره تأمل.
ثم الواجب منها يبيح كل محظور من فعل الواجب وترك المحرم.
والأصل في ذلك: أدلة نفي الضرر (3)، وحديث رفع عن أمتي تسعة أشياء، ومنها: " ما اضطروا إليه " (4)، مضافا إلى عمومات التقية، مثل قوله في الخبر: " إن التقية واسعة، ليس شئ من التقية إلا وصاحبها مأجور " (5)، وغير ذلك من
Page 40
الأخبار المتفرقة في خصوص الموارد. (1).
وجميع هذه الأدلة حاكمة على أدلة الواجبات والمحرمات، فلا يعارض بها شئ منها حتى يلتمس الترجيح ويرجع إلى الأصول بعد فقده، كما زعمه بعض في بعض موارد هذه المسألة.
وأما المستحب من التقية فالظاهر وجوب الاقتصار فيه على مورد النص، وقد ورد النص: بالحث على المعاشرة مع العامة، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، والصلاة في مساجدهم، والأذان لهم (2)، فلا يجوز التعدي عن ذلك إلى ما لم يرد فيه النص من الأفعال المخالفة للحق، كذم بعض رؤساء الشيعة للتحبب إليهم.
وكذلك المحرم والمباح والمكروه، فإن هذه الأحكام على خلاف عمومات التقية، فيحتاج إلى الدليل الخاص.
* * *
Page 41
وأما المقام الثاني:
فنقول: إن الظاهر ترتيب آثار العمل الباطل على الواقع تقية وعدم ارتفاع الآثار بسبب التقية إذا كان دليل تلك الآثار عاما لصورتي الاختيار والاضطرار، فإن من احتاج لأجل التقية إلى التكتف في الصلاة، أو السجود على ما لا يصح السجود عليه، أو الأكل في نهار رمضان، أو فعل بعض ما يحرم على المحرم، فلا يوجب ذلك ارتفاع أحكام تلك الأمور بسبب وقوعها تقية.
نعم، لو قلنا بدلالة حديث رفع التسعة (1) على رفع جميع الآثار، تم ذلك في الجملة.
لكن الانصاف ظهور الرواية في رفع المؤاخذة، فمن اضطر إلى الأكل والشرب تقية أو التكتف في الصلاة، فقد اضطر إلى الافطار وإبطال الصلاة، لأنه مقتضى عموم الأدلة، فتأمل.
Page 42
المقام الثالث: في حكم الإعادة والقضاء إذا كان المأتي به تقية من العبادات.
فنقول: إن الشارع إذا أذن في إتيان واجب موسع على وجه التقية - إما بالخصوص كما لو أذن في الصلاة متكتفا حال التقية، وإما بالعموم كأن يأذن بامتثال أوامر الصلاة أو مطلق العبادات على وجه التقية، كما هو الظاهر من أمثال قوله عليه السلام: " التقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين " (1) ونحوه (2) - ثم ارتفعت التقية قبل خروج الوقت، فلا ينبغي الاشكال في إجزاء المأتي به وإسقاطه، للأمر، كما تقرر في محله: من أن الأمر بالكلي كما يسقط بفرده الاختياري كذلك يسقط بفرده الاضطراري إذا تحقق الاضطرار الموجب للأمر به، فكما أن الأمر بالصلاة يسقط بالصلاة مع الطهارة المائية كذلك يسقط مع الطهارة الترابية إذا وقعت على الوجه المأمور به.
أما لو لم يأذن في امتثال الواجب الموسع في حال التقية خصوصا أو عموما على الوجه المتقدم، فيقع الكلام في أن الوجوب في الواجب الموسع هل يتعلق بإتيان هذا الفرد المخالف للواقع بمجرد تحقق التقية في جزء من الوقت، بل في مجموعه؟ وبعبارة أخرى: الكلام في أنه هل يحصل من الأوامر المطلقة بضميمة أوامر التقية أمر بامتثال الواجبات على وجه التقية أو لا؟ بل غاية الأمر سقوط الأمر عن المكلف في حال التقية ولو استوعب الوقت.
والتحقيق: أنه يجب الرجوع في ذلك إلى أدلة تلك الأجزاء والشروط المتعذرة لأجل التقية.
Page 43
فإن اقتضت مدخليتها في العبادة من دون فرق بين الاختيار والاضطرار، فاللازم الحكم بسقوط الأمر عن المكلف حين تعذرها لأجل التقية ولو في تمام الوقت، كما لو تعذرت الصلاة في تمام الوقت إلا مع الوضوء بالنبيذ، فإن غاية ذلك سقوط الأمر بالصلاة رأسا لاشتراطها بالطهارة بالماء المطلق المتعذرة في الفرض، فحاله كحال فاقد الطهورين.
وإن اقتضت مدخليتها في العبادة بشرط التمكن منها دخلت المسألة في مسألة أولي الأعذار: في أنه إذا استوعب العذر الوقت لم يسقط الأمر رأسا، وإن كان في جزء من الوقت - مع رجاء زواله في الجزء الآخر، أو مع عدمه - جاء فيه الخلاف المعروف في أولي الأعذار، وأنه هل يجوز لهم البدار أم يجب عليهم الانتظار.
فثبت من جميع ما ذكرنا أن صحة العبادة المأتي بها على وجه التقية تتبع إذن الشارع في امتثالها حال التقية.
والإذن متصور بأحد أمرين:
أحدهما: الدليل الخارجي الدال على ذلك، سواء كان خاصا بعبادة أو كان عاما لجميع العبادات.
والثاني: فرض شمول الأوامر العامة بتلك العبادة لحال التقية.
لكن يشترط في كل منهما بعض ما لا يشترط في الآخر:
فيشترط في الثاني كون الشرط أو الجزء المتعذر للتقية من الأجزاء والشرائط الاختيارية، وأن لا تكون للمكلف مندوحة: بأن لا يتمكن من الاتيان بالعمل الواقعي في مجموع الوقت، أو في الجزء الذي يوقعه مع اليأس من التمكن منه فيما بعده أو مطلقا على التفصيل والخلاف في أولي الأعذار، وهذان الأمران غير معتبرين في الأول، بل يرجع فيه إلى ملاحظة ذلك الدليل الخارجي، وسيأتي أن الدليل الخارجي الدال على الإذن في التقية في الأعمال لا يعتبر فيه شئ
Page 44
منهما.
ويشترط في الأول أن تكون التقية من مذهب المخالفين، لأنه المتيقن من الأدلة الواردة في الإذن في العبادات على وجه التقية، لأن المتبادر التقية من مذهب المخالفين، فلا يجري في التقية عن الكفار أو ظلمة الشيعة، لكن في رواية مسعدة بن صدقه (1) الآتية ما يظهر منه عموم الحكم لغير المخالفين (2)، مع كفاية عمومات التقية في ذلك، بعد ملاحظة عدم اختصاص التقية في لسان الأئمة صلوات الله عليهم بالمخالفين، لما يظهر بالتتبع في أخبار التقية التي جمعها في الوسائل (3).
وكذا لا إشكال في التقية عن غير مذهب المخالفين، مثل التقية في العمل على طبق عمل عوام المخالفين الذين لا يوافق مذهب مجتهدهم، بل وكذا التقية في العمل على طبق الموضوع الخارجي الذي اعتقدوا تحققه في الخارج مع عدم تحققه في الواقع، كالوقوف بعرفات يوم الثامن والإفاضة منها ومن المشعر يوم التاسع موافقا للعامة إذا اعتقدوا رؤية هلال ذي الحجة في الليلة الأخيرة من ذي القعدة.
Page 45
فإن الظاهر خروج هذا عن منصرف أدلة الإذن في ارتفاع الأعمال على وجه التقية لو فرضنا هنا إطلاقا، فإن هذا لا دخل له في المذهب، وإنما هو اعتقاد خطأ في موضوع خارجي.
نعم، العمل على طبق الموضوعات العامة الثابتة على مذهب المخالفين داخل في التقية عن المذهب، فيدخل في الاطلاق لو فرض هناك إطلاق، كالصلاة عند اختفاء الشمس، لذهابهم إلى أنه هو المغرب.
ويمكن إرجاع الموضوع الخارجي أيضا في بعض الموارد إلى الحكم، مثل ما إذا حكم الحاكم بثبوت الهلال من جهة شهادة من لا تقبل شهادته إذا كان مذهب الحاكم القبول، فإن ترك العمل بهذا الحكم قدح في المذهب، فيدخل في أدلة التقية.
وكيف كان ففي هذا الوجه لا بد من ملاحظة إطلاق دليل الترخيص لإتيان العبادة على وجه التقية وتقييده والعمل على ما يقتضيه الدليل.
وأما في الوجه الثاني، فهذا الشرط غير معتبر قطعا، لأن مبناه على العمل المخالف للواقع من جهة تعذر الواقع، سواء كان تعذره للتقية من مخالف أو كافر أو موافق، وسواء كان في الموضوع أم في الحكم.
كل ذلك لأن المناط في مسألة أولي الأعذار العذرية، من غير فرق بين الأعذار.
بقي الكلام: في اعتبار عدم المندوحة الذي اعتبرناه في الوجه الثاني.
فإن الأصحاب فيه بين غير معتبر له، كالشهيدين (1) والمحقق
Page 46