970

أما النعامة فأوجبنا فيها البدنة، لما رويناه فيما مضى عن أمير المؤمنين عليه السلام، وعمر، وغيرهما، ولم يختلفوا فيه. وأوجبنا في بقرة الوحش بقرة؛ لأنها أشبه الحيوان بها خلقة وهيئة، وروى ذلك عن كثير من العلماء. وقلنا: إن في حمار الوحش بقرة؛ لأن خلقه بخلق البقرة أشبه منه بخلق البعير، والناس فيه على أحد القولين(1) أعني الذين اعتبروا الخلقة فقائل قال فيه بدنة، وقائل قال: فيه بقرة، ووجدنا البقرة أشبه، فأوجبنا فيه بقرة، على أنا وجدنا بقرة وحش، خيرا من حمار وحش، فلم نوجب فيه أفضل مما أوجبنا في البقرة [الوحشية] (2)، وليس يعترض علينا إيجابنا البدنة في النعامة؛ لأن النعامة لم(3) يختلف فيها، وليس يتجاذبها في الشبة البدنة والبقرة، بل كانت بالبدنة أشبه، فلذلك أوجبنا فيها البدنة، على أن القائلين فيه بالبدنة يجوز أن يكونوا أرادوا بذلك البقرة؛ إذ البقرة يعبر عنها باسم البدنة، إذ روى في بقر الوحش بدنة، ومن البعيد أن يكون المراد به الجزور مع القول باعتبار الخلقة في الجزاء وظهور الشبه بين البقر، وبقر الوحش. وقلنا في الظبي شاة، لما رويناه عن السلف فيه؛ ولأنه أشبه الصيد بالشاة، خلقة وهيئة، وكذلك قلنا في الوعل للشبه الذي ذكرناه، والثعلب أيضا فقد روي فيه ذلك. وأما الحمام، فقد روي عن عدة من الصحابة أن فيه شاة، وروي ذلك عن أمير المؤمنين كرم(4) الله وجه ولا خلاف فيه يبن القائلين باعتبار الخلقة، والقمري والدبسي ونحوهما، فقد(5) روي ذلك عن ابن عباس على ما سلف القول فيه، وروي عن عمر وعبد الله في اليربوع ما ذكرناه، وروي /240/ عن عمر في الضب مثله على ما قدمناه، والضبع قد ذكرنا فيما مضى ما ورد فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أمير المؤمنين، ثم عن سائر الصحابة، واعتبرنا فيه الفرس لما روى عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما مضى؛ ولأنه لا خلاف أن الضبع وغيره من السباع إذا عدا على المحرم، وخشي المحرم ذلك، فلا شيء عليه في قتله.

مسألة [في حكم دلالة المحرم على الصيد]

قال: وإذا دل المحرم غيره على الصيد، فقتله بدلالته، فعليه الجزاء. وهذا منصوص عليه في (الأحكام) (1) و(المنتخب)(2). وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، والشعبي.

والدليل على ذلك: ما رواه هناد بإسناده أن امرأة جاءت إلى ابن عباس رضي(3) الله عنه فقالت: إني رأيت أرنبا، وأنا محرمة، فأشرت إلى الكري، فقتلها، فحكم ابن عباس عليها بالجزاء.

وروى بإسناده أن محرمين أحاش أحدهما ضبيا، قتله وقلته الآخر، فحكم عليهما عمر، وعبد الرحمن بن عوف، بشاة شاة.

وروى بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: ((المحرم لا يشير [إلى الصيد](4) ولا يصيد ولا يدل عليه)) وفي حديث زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: ((لا يقتل المحرم الصيد، ولا يشير إليه، ولا يدل عليه)). فلما ثبت ذلك عنهم، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلافه، كان إجماعا، ويؤكد ذلك ما في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هل أشرتم؟، هل أعنتم؟ ولا وجه إلا إيجاب الجزاء عندنا، إذ قد ثبت انه لا تأثير لعدم الإشارة والإعانة في جواز الأكل، فكل ذلك يدل على وجوب الجزاء على الدال، ومما يدل على ذلك أنا لا نختلف أن محرما لو أمسك الصيد حتى يقتله الحلال، أن عليه الجزاء، فكذلك الدال؛ لأن كل واحد منهما قد فعل السبب المؤدي إلى قتله.

Page 475