Le renouveau de la pensée arabe
تجديد الفكر العربي
Genres
ويختم الرازي مقالته هذه عن طب النفوس بحديث عن الخوف من الموت وكيف يجب التخلص منه بتحكيم العقل: «فالإنسان ليس يناله من بعد الموت شيء من الأذى بتة؛ إذ الأذى حس، والحس ليس إلا للحي وهو في حالة حياته ... فإذا قيل: ليس في الموت لذائذ الحياة، قلنا: ليس بالميت حاجة إليها، ولا له إليها نزوع.»
ويلخص الرازي السيرة الفاضلة - أي صحة النفس - في سطرين، فيقول: «إن الإنسان إذا لزم العدل والعفة، وأقل من مماحكة الناس ومجاذبتهم، سلم منهم، وإذا ضم إلى ذلك الإفضال عليهم، أولي منهم المحبة، وهاتان الخلتان هما ثمرتا السيرة الفاضلة.» •••
ها نحن أولاء قد رسمنا خطوطا تصور نموذج الإنسان كما تمناه ثلاثة من أعلام الفكر العربي القديم، من الناحيتين النظرية والعملية: هم: ابن مسكويه، والغزالي، والرازي. ونريد أن نضيف إلى نموذج الإنسان في عمومه نموذجا رسمه مفكر رابع، هو الجاحظ، للإنسان وهو أمير أو وزير. ففي رسالة «المعاش والمعاد» التي وجهها إلى الوزير محمد عبد الملك الزيات (وقيل: إلى محمد بن أبي داود، الذي تولى على قضاء بغداد في عهد المتوكل)، ومن ذا يسعه أن يقرأ رسالة كهذه فيها نصح للوزير، دون أن يذكر رسالة مكيافلي التي ينصح بها الأمير
The Prince
فبينما المثل الأعلى للأمير في تصور مكيافلي هو أن يبلغ غايته بغض النظر عن الوسائل المؤدية إليها، من ظلم وغدر وكذب وخداع وما شئت من رذيلة، ترى الجاحظ يوصي وزيره بأن الحكم لا يستقيم إلا مع طائفة من فضائل، إذا جاوزها فقد ضل السبيل، لا بالنسبة إلى الأخلاق النظرية وحدها، بل كذلك بالنسبة إلى المنفعة المرجوة، سواء كانت منفعة في دنياه أو في آخرته، لا فرق بين الحالتين.
والمبدأ الأساسي عند الجاحظ في رسالته هذه - كما هو عند ابن مسكويه والغزالي والرازي جميعا - هو احتكام المرء إلى عقله دون الميل والهوى، على أن يفهم «العقل» بمعنى الطرق المؤدية آخر الأمر إلى نفع يرجح الضرر: «اعلم أن الله جل ثناؤه خلق خلقه، ثم طبعهم على حب اجترار المنافع ودفع المضار، وبغض ما كان بخلاف ذلك، هذا فيهم طبع مركب، وجبلة مفطورة، لا خلاف بين الخلق فيه، موجود في الإنس والحيوان.»
ويعقب الجاحظ على ذلك بعبارة كأنما أراد بها أن يشرح للوزير ما يقصد إليه حين يؤسس السلوك على «العقل»، وحين يترجم مثل هذا السلوك العاقل بأنه هو الذي ينشد أكبر النفع في نهاية الأمر، فيقول ما معناه إن العبرة هي في قدرة الإنسان على رؤية النتائج الأخيرة منذ أوائل الأمور، «واستشفافه بعقله ما تجيء به العواقب»، وبقدر تفاوت الناس في هذه القدرة يكون تفاوتهم في الفضائل، وأما إذا انتظر المرء حتى يقع ما يقع فيراه حين يقع «فذاك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالمون والجاهلون.» ثم ينصح الجاحظ وزيره بأن يحكم وكيل الله عنده - ويعني بذلك عقله - على هواه، ويلقي إلى عقله بزمام أمره.
وكذلك يوصي الوزير بالعدل، قائلا له: «اعلم أن الحكم في الآخرة هو الحكم في الدنيا، ميزان قسط، وحكم عدل»، ولعل من أركان العدل أن يحفظ الناس أقدارهم إذا قام بينه وبينهم معاملة، على أن تقاس هذه الأقدار على قدر البلاء والاستحقاق، محذرا إياه أن يركن في تقديره للناس إلى الهوى.
وينصح الوزير أن «اجلس في المحافل دون الموضع الذي تستحقه حتى يرفعك أهلها، فإذا تنافس القوم في حديث وعندك منه مثل ما عندهم فأمسك حتى يحتكموا إليك؛ لأنك إن نافستهم كنت واحدا منهم.»
وهو إذ يذكر له الفضائل الأساسية، يتفق فيها مع غيره ممن ذكرنا أو لم نذكر، وكذلك الأمر حين يحذره من الرذائل المذمومة التي من شأنها أن تزيل عنه السلطان، ومن أهمها الكذب والغضب والجزع والحسد، وله في هذه الرذائل كلام بلغ غاية الجودة ونفاذ البصر. ثم هو يفرق له بين طريقة يعامل بها عدوه وأخرى يعامل بها صديقه، فعليه مع العدو أن يحصن عنه أسراره، وأن ينتهز له الفرصة فيظهر حجته عليه، وأن يظهر له الاستهانة به، لكن يستبطن الحذر منه والاستعداد له. أما مع الصديق فيوصيه قائلا: «... لا تكونن لشيء مما في يدك أشد ضنا، ولا عليه أشد حدبا، منك بالأخ الذي قد بلوته في السراء والضراء ... فإنما هو شقيق روحك ... ومستمد رأيك، وتوأم عقلك، ولست منتفعا بعيش مع الوحدة، ولا بد من المؤانسة ... ثم لا يزهدنك في الصديق أن ترى منه خلقا أو خلقين تكرههما، فإن نفسك التي هي أخص النفوس بك لا تعطيك المقادة في كل ما تريد، فكيف بنفس غيرك؟»
Page inconnue