9
ويعبر آخر هذه الخصائص المميزة للنظرية النقدية عن مقولة كثر الجدال حولها، وتتعلق بالمصالح التي توجه المعرفة في عمليات البحث العلمي. ويرجع الفضل في بيان هذه المقولة لهابرماس (وإن يكن هوركهيمر هو أول من تنبه إليها، وصاغها صياغة مبدئية في مقاله المبكر عن النظرية التقليدية والنظرية النقدية الذي نشره سنة 1937م).
10
ويحدد هابرماس في إطارها ثلاثة أنماط من العلوم، أو بالأحرى من أساليب التفكير العلمي، وهي العلوم التجريبية والتحليلية، والعلوم التاريخية والتفسيرية (الهيرومينويطيقية)، وعلوم الفعل والسلوك المنهجية. ويقابل هذه الأنماط الثلاثة من العلوم ثلاثة أنواع من المصالح الموجهة - بصورة متعالية - لعملية المعرفة والمحددة لطبيعة المعارف والنظريات في هذه العلوم، بحيث تناظر العلوم التجريبية والتحليلية مصلحة معرفية تقنية «تتصرف دائما في الواقع من وجهة نظر تقنية، وتكفل نجاح السلوك في مختلف المواقف»، كما تناظر العلوم التاريخية والتفسيرية مصلحة معرفية علمية تضمن التفاهم القائم على العمل بين الذوات المشتركة (راجع كتاب هابرماس التقنية والعلم من حيث هما أيديولوجية، وبالأخص كتابه المعرفة والمصلحة).
11
أما علوم الفعل والسلوك المنهجية كالاجتماع والاقتصاد والسياسة، فتتجه لتحقيق مصلحة من نوع آخر، هو تحرير الإنسان من ألوان القهر الفطرية، وتمكينه من الخلاص منها؛ بمساعدته على بلوغ الرشد عن طريق التأمل الذاتي المستقل. ومع أن هذا التصور للمصالح الحياتية والعملية التي توجه أنماط المعرفة العلمية يبدو للوهلة الأولى شديد الجاذبية، إلا أن النظرة المتأنية تكتشف غموضه والتباس معانيه، فضلا عن أنه لا يجيب إجابة شافية عن كثير من الأسئلة المتعلقة بطبيعة تلك المصالح الموجهة للمعرفة، ودورها الفعلي في المعرفة العلمية. وأخيرا فإن هابرماس لا يوضح طبيعة المقولات التي تدخل فيها المصالح الموجهة للمعرفة، وهل هي مقولات تجريبية (سيكولوجية وأنثروبولوجية) أم مقولات متعالية؟ وهل تحدد تكوين المعارف العلمية ونشأتها منذ البداية، أم يقتصر دورها على تبرير صدقها وتفسير قيمتها؟ (2) تعقيب نقدي
لعل من أهم ما يذكر لأصحاب النظرية النقدية أنهم أكدوا الدور النقدي والثوري للفلسفة، وحددوا - من خلال تحليلاتهم النافذة للمجتمع الصناعي والرأسمالي «المتقدم»، وللقوى والمصالح المحركة لعقلانيته العلمية والتقنية، المسئولة في رأيهم عن ظواهر الاغتراب والشقاء والقمع والقهر الجاثمة على أنفاسه - حددوه بتجاوز الأوضاع والقيم والمعارف والمناهج وأساليب التفكير السائدة فيه، وضرورة الالتزام بنقدها ومقاومتها تمهيدا لتغييرها من جذورها. بذلك نجحوا إلى حد كبير في التوحيد بين الفلسفة والثورة، وفي مطالبة الفيلسوف بأن يكون ثائرا، والثائر بأن يكون فيلسوفا، بشرط أن يلتزم كلاهما بطبيعة الحال بالدقة والموضوعية العلمية الكافية. والدليل على هذا أنهم نادوا منذ البداية بالتفاعل والتكامل بين النظرية أو الفلسفة الاجتماعية - التي حاولوا وما زالت أجيالهم التالية تحاول بلورتها - وبين العلوم الإنسانية والاجتماعية التجريبية؛ ولذلك كان معظمهم فلاسفة وعلماء اجتماع في وقت واحد، وأثمرت جهودهم بحوثا ودراسات عديدة تولى معهد البحث الاجتماعي نشرها - كما سبق القول -
12
في مجلته أو في صورة كتب مستقلة قام بإصدارها. ولقد تنبهوا إلى تفاعل الأنظمة العلمية منذ أن أعلنوا عن برنامج هذا المعهد، وهو تجاوز أزمة الماركسية عن طريق تحقيق التفاعل بين الفلسفة الاجتماعية والعلوم الاجتماعية التجريبية، بل إن بعضهم - مثل هوركهيمر وماركوز وأدورنو بوجه خاص في أعماله العديدة عن جماليات الموسيقى - قد طبقوا وجهة نظرهم النقدية الجدلية الاجتماعية على الفن والأدب والإبداع، وحاولوا أن يستخرجوا الدلالات الاجتماعية للأعمال الأدبية والفنية وتعبيرها عن السياق التاريخي والحضاري والاجتماعي الذي نشأت فيه، ومدى تقدميتها وحداثتها أو رجعيتها وتخلفها. ولا شك أن الدور النقدي والثوري للفلسفة يمثل بعدا هاما، لم يلتفت إليه التفلسف ولا المشتغلون بالفلسفة في عالمنا العربي وفي العالم الثالث بصورة كافية حتى الآن، وسوف يظل غائبا عنا ونظل غائبين عنه ما بقيت عجلة التعليم الأكاديمي للفلسفة تدور دوراتها العقيمة، وتجر المعلمين والمتعلمين إلى مهاوي النقل والترديد والاجترار والتقليد، والاكتفاء بالعرض والتقديم والتعريف وتجميع المادة، دون الفحص والنقد والتمحيص، أو بالانزلاق إلى البلاغية والإنشائية والثورية الزائفة في خطب أيديولوجية رنانة تفتقر إلى كل أساس علمي وموضوعي، بل تفتقد الدقة والتحديد الضروريين لأية لغة فلسفية. إن تنمية النزعة النقدية أمر بالغ الأهمية لتكوين الوعي الحر والدفاع عنه، وإيقاظ الحصان الأثيني - على حد تعبير سقراط الذي يصدق على أي حصان آخر - كلما استسلم أو أخلد إلى النعاس؛ وهو أشد ما يكون أهمية لكل مشتغل بالفلسفة يدرك دورها في نقد الواقع والفكر السائد. وإذا كان من الممكن أن نتعلم من أصحاب النظرية النقدية كيف نقف من كل ما نجرب ونقول ونفعل ونكتب ونقرأ موقفا نقديا، يقوم على الوعي بالواقع والناس الأحياء «هنا والآن»، ويلتحم بهمومهم وآمالهم، ويكشف عن التناقضات في هذا الواقع، ويعمل على تجاوزها؛ فإن نقد النقد يكون خطوة هامة على الطريق المؤدي لأن يصبح النقد فلسفيا وتصبح الفلسفة نقدية بحق.
ربما يؤخذ على النظرية النقدية أنها لم تستطع أن تقيم أبنية منهجية أو نسقية محكمة متماسكة؛ ولذلك بقيت فلسفة حرة مفتوحة، تعتمد على حدوسهم الثاقبة أكثر مما تعتمد على التطوير التصوري الصارم للأفكار، وتعبر عن نفسها في صورة مقالات وشذرات متفرقة لا في بناء مترابط دقيق. وربما يرجع السبب في هذا إلى تنوع اهتماماتهم ومواهبهم، وتمزق شخصياتهم بين العالم الاجتماعي والجدلي الصارم وبين الفنان العاطفي أو الرومانتيكي الحالم، وحرصهم على البعد عن صورة الفيلسوف والعالم بالمعنى الحرفي - على الرغم من أن بعضهم قد شغل منصب الأستاذية في الجامعة - رغبة منهم في الاحتفاظ بصورة الفيلسوف والعالم الحر، واستجابة لطبيعتهم القلقة ومزاجهم الثوري، الذي جعلهم ينخرطون في تناقضات عصرهم وأزماته وأمراضه، ويحاولون تشخيصها ووصف العلاج الحاسم للخلاص منها.
Page inconnue