Tafsir Al-Quran Al-Karim - Al-Muqaddam
تفسير القرآن الكريم - المقدم
Genres
تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة)
لما ضرب الله ﷾ المثل بالذباب في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج:٧٣]، وفي قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] فكأن اليهود استغربوا وقالوا: كيف تزعمون أن القرآن كلام ربكم وكلام إلهكم ثم يذكر هذه الأشياء الحقيرة، مثل: الذباب والعنكبوت؟! فأنزل الله ﷾ ردًا عليهم هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] و(مثلًا) المفعول الأول و(ما) المفعول الثاني؛ لأن (ما) هذه اسمية إبهامية، وإذا دخلت كلمة (ما) الاسمية الإبهامية على اسم نكرة أبهمته إبهامًا تامًا وزادته شيوعًا وعمومًا، كقولك: أعطني كتابًا ما.
أي: أعطني أي كتاب كان، فمعنى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة:٢٦] يعني أن يجعل أي مثل كان، أو تكون (ما) زائدة لتأكيد حقارتها.
قوله: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ البعوض هو صغار البق قوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يعني: ابتداء من البعوضة فما هو أكبر منها، أي: لا يترك الله ﷾ بيانه لما في هذا المثل الذي يضربه الله من الحكم أو معنى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ يعني: ما دونها، فيكون المقصود ما يكون أقل منها في الصغر، فهذا من الأضداد.
إذًا: يريد الله ﷾ أن يبين لهم أنه كما لا يستنكف الله عن خلقها كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها، وقد ضرب المثل في القرآن الكريم بالذباب فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، وضرب المثل بالعنكبوت فقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] فالتمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى، بغض النظر عن الشيء الذي ضرب به المثل هل هو حقير أم عظيم، فالمقصود كشف هذه المعاني وتجليتها؛ فلذلك لا يستحيي الله أن يضرب مثلًا بهذه الأشياء.
قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:٢٦] الهاء تعود على المثل.
قوله: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: المثل الثابت الواقع موقعه ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة:٢٦] إعراب (مثلًا) هنا: تمييز، يعني: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ و(ما) اسم استفهام وإنكار، يعني: أي فائدة في هذا المثل؟ فرد الله ﷾ عليهم استنكارهم بقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦] يعني: هذا المثل يضل الله به كثيرًا عن الحق؛ لكفرهم به، ويهدي به كثيرًا من المؤمنين؛ لتصديقهم به.
قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:٢٦] أي: الخارجين عن طاعته.
4 / 7