855

Tafsir de Sadr Din Shirazi

تفسير صدر المتألهين

Régions
Iran
Irak
•
Empires & Eras
Ottomans
Safavides

وعند قوم من أهل المعرفة أن أمره " إهبطوا " أمر تكوين لهما ولذريتهما، وذلك لأن الهبوط إلى الدنيا، أو الأرض من الجنة، أو السماء ليس واقعا تحت الاختيار، وكل ما ليس للعبد فيه اختيار فلا معنى للتكليف به. وأيضا قوله: { بعضكم لبعض عدو } حكم يعم الناس كلهم، معناه ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. والقول بأن " الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف تناولهم الخطاب؟ " ساقط عند العارف بخطاب الله، وبأن الأزمنة كلها في حكم زمان واحد عند الله، وبأن السامع لأمر التكوين وقول " كن " يسمع الخطاب بسمع ذاتي عقلي، قبل هذا السمع الظاهري.

إشارة مشرقية

قد مر أن للإنسان نشآت ثلاث بحسب البداية النزولية، وكذلك بحسب النهاية الصعودية للكمل. وله هبوطان وصعودان. وهذه النشأة الدنيوية آخر منازل الهبوط، وأول منازل الصعود وهي دار التضاد والتفاسد، وعالم التغالب والتعادي، لضيق عرصتها الوجودية، وانحصار لذاتها الكونية، وقصور خيراتها من أن يسع للجميع، فلذلك ينبعث فيها حب التغالب المؤدي إلى العداوة. فقوله: { بعضكم لبعض عدو } إشارة إلى ما هو من خواص هذه النشأة التي هي مهبط آدم وأولاده.

ولهذا احتاج كل من في هذا العالم إلى قوة غضبية يذب بها عن نفسه الآفة والشر، وإلى قوة شهوية يجلب بها إلى نفسه النفع والخير، والحكمة في وجود هاتين القوتين في الحيوان عموما وفي الإنسان خصوصا هو ما سبق ذكره.

وفيه أيضا إشارة إلى وجوب وجود خليفة من الله في الأرض في حفظ هذا النوع الإنساني، وعدم جواز أن يترك الناس وآراؤهم، إذ لا بد لهم من الشركة في الماء والطين - كما لا يخفى - ولا يتم المشاركة إلا بالمعاملة، ولا المعاملة - وهي مثار الخصومات ومنبت العداوات - إلا بسنة وعدل. فإن لم يكن سنة سان، وعدل معدل منصوب من قبل الله، مخصوص بمعجزات وكرامات يدل على صدقه حتى يسمع دعوته، وينقاد حكمه، ويتبع قوله ورأيه، لأدت العداوات والخصومات إلى الفساد وسفك الدماء، والهرج والمرج.

وقيل: يعني بقوله: { بعضكم لبعض } آدم وذريته، وإبليس وذريته، ولم يكن من آدم إليه ما يوجب عداوته إياه، ولكن حسده الملعون وخالفه، فنشأت بينهما العداوة، ثم إن عداوة آدم له إيمان وحكمة، للخلاص من شره. وعداوة إبليس كفر وحيلة.

وقال الحسن: بين بني آدم وبني إبليس.

وليس ذلك بأمر بل هو تحذير، لأن الله لا يأمر بالعداوة. فالأمر مختص بالهبوط، والعداوة تجري مجرى الحال. لأن الظاهر يقتضي أنه أمرهما بالهبوط في حالة عداوة بعضهم بعضا.

فصل

قوله تعالى: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع }

Page inconnue