Tafsir de Sadr Din Shirazi
تفسير صدر المتألهين
قوله: { كلما رزقوا منها من ثمرة } إما صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ والغرض فيه رفع الاشتباه عن قلب السامع في جنة، بعد ما قرع سمعه وصفها الأول المشابه لجنات الدنيا وأشجارها التي تجري تحتها الأنهار، فكأنه لما ذكر الوصف الأول، اختلج بباله ووقع في خلده أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا، فأزيح بذلك.
والمعنى: كل حين رزقوا مرزوقا مبتدء من الجنان، مبتدء من ثمرة قالوا: هذا.
و " كلما " منصوب على الظرفية، و " رزقا " مفعول به، و " من " الأولى وكذا الثانية واقعة موقع الحال؛ قيد " الرزق " بأولوهما وأولاهما بثانيتهما، فصاحب الحال الأولى " رزقا " ، وصاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الأولى.
وليس المراد ب " الثمرة " التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار، ويحتمل أن تكون الثانية بيانا لها كما في قولك: " رأيت منك أسدا تريد " أنت أسد " ، فيراد بالثمرة النوع من الثمار، والجنات الواحدة.
وقوله تعالى: { هذا الذي رزقنا } في صحته ثلاثة وجوه:
أحدها: إن " هذا " إشارة إلى نوع ما رزقوا، كقولك مشيرا إلى نهر جار: " هذا الماء لا ينقطع " ، لا تريد به العين المشاهدة منه، بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب الجزئيات والأمثال، وإن كانت الإشارة إلى عينه، لكن يراد بها نوعه، ووحدته النوعية واستمرارها، لا ينافي كثرته العددية وتجددها.
وثانيها: إنه لما اتحدا في الماهية - وإن تغايرا بالعدد - صح أن يقال: " هذا هو ذاك " فإن الكثرة العددية للأشخاص، لا تنافي اتحادها معنى وحقيقة.
وثالثها: إنه لما اشتدت المشابهة بين ما رزقوا منها وبين ما رزقوا من قبل، صح لهم هذا القول، كما تقول فيمن تشتد مشابهته لأبيه: " إنه الأب ".
ثم اختلفوا في أن المتحد به أو المشبه به الذي كان: " رزقهم قبل ذلك " هل هو من أرزاق الدنيا أم من أرزاق الجنة؟ والقول الأول هو عن ابن عباس وابن مسعود، والثاني عن الحسن وواصل وأبي عبيدة ويحيى بن كثير.
إلا أن الحسن وواصل وجها الآية بأن معناها: هذا الذي رزقناه من قبل في الجنة كالذي رزقنا؛ وهم يعلمون أنه غيره، ولكنهم شبهوه به في طعمه ولونه وطيبه وجودته.
Page inconnue