Tafsir de Sadr Din Shirazi
تفسير صدر المتألهين
وعطف " العمل " على " الإيمان " ، دال على خروجه عن الإيمان، لثبوت التغائر بين المعطوف والمعطوف عليه، وإلا لزم التكرار كلا أو جزءا، وهو خلاف الأصل، والجمع بينهما مرتبا للحكم عليهما، إشعار بسببية مجموع الأمرين والشفع بين الخلتين لاستحقاق هذه البشارة، كسببية مجموع الوالدين والازدواج بينهما لحصول النتيجة، فإن الإيمان - الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق -، أس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأس لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا مفردين.
واعلم أن قوام الروح الإنساني وإن كان بأصل الإيمان، لأن صورة ذاته إنما تتحقق بالعلم، وبه يصير خارجا من القوة إلى الفعل، لكن العمل الصالح يخلصه من العوائق، ويمحضه عن عذاب التعلقات، فلا بد للسعادة المطلقة من حصولهما جميعا.
ومن الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال: " كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة ". فإذا قيل له: " فما قولك فيمن كفر بعد ذلك؟ ". قال: " هذا ممتنع - لأن فعل الإيمان والطاعة يوجب استحقاق الثواب الدائم، وفعل الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال ".
وذكر في بيان الاستحالة وجوها ثلاثة عقلية ذكرها الإمام الرازي في تفسيره الكبير، ثم فرع ذلك على فساد القول بالإحباط، ثم أجاب الإمام الرازي فيه عن قوله بقولين:
" أحدهما: قول من اعتبر الموافاة، وهو أن شرط حصول الايمان أن لا يموت على الكفر، فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولا كان كفرا. قال: " إن هذا قول ظاهر السقوط ".
وثانيهما: إن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا، ولا على المعصية عقابا - استحقاقا عقليا واجبا - وهو قول أهل السنة والجماعة، واختيارنا، وبه يحصل الخلاص عن هذه الظلمات ".
أقول: أنظروا معاشر المسلمين، هل يفعل الصديق الجاهل بصديقه ما يفعله هو وأهل سنته وجماعته بالكتاب والشريعة! وليته هو وأصحابه سكتوا عما سكت عنه الصحابة والتابعون، ولم يخوضوا في أعماق هذه المسائل الدينية، واكتفوا بالتقليد حتى يسلموا عن هذه المضائق التي لا جولان لأمثالهم فيها، ولا نجاة لأحد منها إلا بالعقل المستقيم أو القلب السليم، كما قال تعالى:
لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير
[الملك:10].
فالبصير السيار، يسلك سبيل النجاة بنور عينيه، وقوة قدميه، فيفوز بالغبطة الكبرى، والأعمى الزمن الذي له قائد وحامل، فهو على سبيل النجاة وطريق الخلاص، وهو أدنى إلى الخلاص وأقرب إلى النجاة من الأعمى الراجل، الذي لا قائد له، أو من البصير المقعد الذي لا حامل له، وهما جميعا أقربان إلى السعادة من الأعمى السيار الذي لا قائد له.
Page inconnue