317

Tafsir de Sadr Din Shirazi

تفسير صدر المتألهين

Régions
Iran
Irak
Empires & Eras
Ottomans
Safavides

فالقول بأن بعض تلك الأمور حصل بسبب بعض آخر منها، جهل محض، سواء عبر عنه بالتولد أو بغيره، بل حوالة جميعها على المعنى الذي يعبر عنه بالقدرة الأزلية، وهو الأصل الذي لم يقف كافة الخلق على كنه معناه إلا الراسخون، وليس عند غيرهم منه إلا مجرد لفظه، مع نوع تشبيه له بقدرتنا، وهو بعيد عن الحق، وبيان ذلك يطول ولكن لا يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر إلا بالحق واللزوم فكذلك جميع أفعال الله المترتبة، فإن لها ضربا آخر من التقدم لبعضها على بعض، غير التقدم المسمى عند الفلاسفة بالتقدم بالطبع، وغير الذي سموه التقدم بالعلية، فإنهما متحققان بين المهيات بعضها مع بعض بواسطة، وهذا الذي كلامنا فيه، تقدم وتأخر بين الموجودات التي هي أنوار مترتبة في الإفاضة عن الحق، أو بين مراتب تنزلات الحق الأول، وقد سميناهما التقدم والتأخر بالحقيقة بالاعتبار الأول، والتقدم والتأخر بالحق بالاعتبار الثاني، وهذا مما لا يظهر إلا للخواص المكاشفين بنور الحق، ولا ينفع ذكره للحمقى الجاهلين المجانين، إلا فتنة وتحريكا لسلسلة جنونهم، وحلا لعقائد ظواهر الشريعة عن ألسنتهم وأيديهم.

وبالجملة، فلولا الترتيب بين الموجودات، لبطل النظام، ولم تكن الغايات مترتبة على الأشياء، ولكان فعل الله على ذلك التقدير الذي توهمه جماعة من الناس - كأصحاب أبي الحسن الأشعري وغيرهم - عبثا وتهذارا وهباء ولعبا، قال تعالى:

وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهمآ إلا بالحق

[الدخان:38 - 39].

فكل ما بين السماء والأرض على ترتيب واجب وحق لازم، لا يتصور أن يكون إلا كما حدث، وعلى الترتيب الذي حدث، فما تأخر متأخر إلا لانتظار ما يتوقف عليه ويشترط به، والموقوف بعد الموقوف عليه، والشرط قبل المشروط.

وعكس هذا الترتيب وخلافه محالان، والمحال لا يوصف بكونه مقدورا، فلا يتأخر العلم عن النظر إلا لفقد شرط الحياة، ولا تتأخر عنها الارادة بعد العلم إلا لفقد شرط العلم، وكل ذلك على منهاج الواجب وترتيب الحق، ليس في شيء من ذلك لعب واتفاق، بل كل ذلك بحكمة وتدبير.

وتفهيم ذلك عسير ، على الأفهام غير يسير، وللفرق بين سبب به وسبب منه، وإطلاق الفاعل على كل من هذين المعنيين، نسب الله الأفعال في القرآن مرة الى الملائكة، ومرة الى العباد، ونسبها مرة الى نفسه، فقال في الموت:

قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم

[السجدة:11] ثم قال:

الله يتوفى الأنفس حين موتها

Page inconnue