Tafsir de Sadr Din Shirazi
تفسير صدر المتألهين
Genres
وثالثها: وهو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم على المعصية، ولا الاعتذار منه بعلم الله، بل موسى سأله عن السبب الذي حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة، فقال آدم: إن خروجي منها لم يكن بسبب تلك الزلة، بل بسبب أن الله تعالى كان قد كتب علي أن أخرج إلى الأرض وأكون خليفة فيها، وهذا المعنى كان مكتوبا في التوارة، فلا جرم كانت حجة آدم قوية، وصار موسى في ذلك كالمغلوب.
واعلم أن الكلام يؤدي الى التطويل، وإلا لأجبت عن تلك الوجوه الخمسة متفصيا، ولناقضت لهذه الوجوه الثلاثة مفصحا عن فسادها، فاضحا لقصور قائلها، كاشفا عن اختلال أحواله، وبطلان مقاله، واعوجاج سبيله، وانبتات سلوكه لفقدان دليله، حيث لا حجة ولا برهان، ولا حديث ولا قرآن، ولا عقل ولا ايمان.
قال بعض أكابر الحكماء في وصفهم عندما نقل بعضا من الآراء السخيفة عنهم في إثبات شيئية المعدوم وثبوت الأحوال: " وهؤلاء قوم نبغوا في ملة الإسلام وما كانت لهم أفكار سليمة، ولا حصل لهم ما حصل للصوفية من الأمور الذوقية، ووقع بأيديهم مما نقل جماعة في عهد بني امية، من كتب قوم كانت أساميهم تشبه أسامي الفلاسفة، فظن القوم أن كل اسم يوناني [هو] اسم فيلسوف، فوجدوا فيها كلمات استحسنوها وذهبوا عليها وفرعوها رغبة في الفلسفة، وانتشرت في الأرض وهم فرحون بها، وتبعهم جماعة من المتأخرين وخالفوهم في بعض منها، إلا ان كلهم إنما غلطوا بسبب ما سمعوا أسامي يونانية لجماعة صنفوا كتبا يتوهم ان فيها فلسفة - وما كان فيها شيء منها - فقبلها متقدموهم، وتبعهم فيها المتأخرون، وما خرجت الحكمة عن يونان، إلا بعد انتشار أقاويل عامة اليونان وخطبائهم وقبول الناس لها.
ولنرجع الى طريق العقل في هدم قاعدة الاعتزال، بعد أن ذكرنا من طريق السمع ما يليق بذلك من الأقوال.
تبصرة عقلية
[علمه تعالى وقضاؤه]
قد علمت أن جميع الأشياء صادرة من الله تعالى وهو عالم بصدورها عنه راض بذلك غير كاره، وهذا معنى مختاريته الخالي عن النقص والقصور والتغير. وقد ثبت في العلوم اليقينية: أن العلم بالسبب التام يستلزم العلم بالمسبب، فإذا كان تعالى عالما في الأزل بجميع الموجودات الروحانية والجسمانية، والعلوية والسفلية على ما هي دفعة واحدة من غير تجدد وانفعال في علمه - وهو معنى قضائه - ويكون مخرجا إياها من القوة الى الفعل شيئا بعد شيء على سبيل التجدد والانقضاء على التفصيل - وهو معنى قدره -، وقد ثبت أن كلما لم يجب لم يوجد، فقضاؤه نافذ في قدره، حاكم على كل أحد من هذا العالم في نفعه وضره وخيره وشره، فالإيمان بالقدر واجب من هذه الجهة، والرضا بالقضاء فرض متحتم من هذا البرهان.
كما ورد في الحديث الإلهي:
" من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليبعد ربا سوائي وليخرج من أرضي وسمائي ".
ومن الأحاديث المستفيضة الشائعة بين طوائف العلماء المتفق عليها، ما رواه محمد بن عقوب الكليني رحمه الله في باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين منه عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، وإسحق بن محمد، وغيرهما رفعوه، قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) جالسا بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه، ثم قال له: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن مسيرنا الى أهل الشام، أبقضاء من الله وقدر؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أجل يا شيخ، ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدر، فقال له الشيخ، عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال له: مه يا شيخ، فوالله لقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون. ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرين.
Page inconnue