ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر
[الفتح: 2] { والمهاجرين والأنصار } قبل توبتهم وطاعتهم وما تحملوا في مرضاته من المشقة فصاروا في حكمه تائبين، وقيل: تاب عليهم بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه، والمهاجرين الذين هجروا ديارهم وأوطانهم وعشائرهم، والأنصار الذين تبوؤا الدار ونصروا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } عسرة الزاد وعسرة الظهر وعسرة الماء، وقيل: كان ذلك في غزوة تبوك لأنهم خرجوا في حر شديد وبلغ بهم الشدة بأن اقتسم التمرة اثنان، وعسرة الماء بأن نحروا الابل واعتصروا فرثها، وفي شدة زمان من الحدب والقحط { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } هموا بالانصراف من غزاتهم { ثم تاب عليهم } يعني الذين كادت تزيغ قلوبهم { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } يعني وتاب على الثلاثة الذين خلفوا وهم هلال بن أمية وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك،
" فلما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة تبوك دخل المسجد وجاء المخلفون يعتذرون فقبل منهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فقال: " ما خلفك يا كعب؟ " قلت: لو حلفت بين يدي غيرك لكان لي مخرج والله لا أكذب بين يديك والله ما كان لي عذر، فقال: " قم حتى يقضي الله فيك ما شاء " وجاء مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فاعتذرا بمثل ذلك، ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مواكلتهم ومجالستهم، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد حتى مضت خمسون ليلة، قال كعب: فبينا أنا أصلي الصبح إذ سمعت نداء: أبشر يا كعب، فخرجت وأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: " أبشر يا كعب " فقلت: من عندك أم من عند الله؟ فقال: " بل من عند الله "
وتلا الآية { وكونوا مع الصادقين } وهم الذين صدقوا في دين الله، وقيل: الثلاثة، أي كونوا مثل هؤلاء الثلاثة في صدقهم ونياتهم، وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب، أي كونوا من المهاجرين والأنصار.
[9.120-124]
{ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب } يعني مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن حولها من سكان البوادي { أن يتخلفوا عن رسول الله } يعني عن غزواته وجهاده { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه والدفع عنه { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ } عطش { ولا نصب } أي تعب { ولا مخمصة } مجاعة { في سبيل الله } أي في الجهاد، وقيل: أراد الصبر على الجوع والعطش { ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار } وطئهم إياه { ولا ينالون من عدو نيلا } أي لا يصيبهم منه إصابة من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة { إلا كتب لهم به عمل صالح } الآية، قوله تعالى: { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة } أي من قليل أو كثير { ولا يقطعون واديا } في طلب الكفار { إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } الآية، قيل: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج في غزاة لم يتخلف عنه إلا المنافقون والمعذورون، فلما بين تعالى نفاقهم في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المسلمون: لا نتخلف عن غزوة ولا عن سرية، فلما بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) السرايا خرج الناس كلهم وتركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده فنزلت الآية، يعني ما كان لجميع المسلمين أن ينفروا كافة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويخلفوا ديارهم ولكن تنفر طائفة من كل ناحية اليه لتسمع كلامه ويتعلموا الدين، ثم يرجعون إلى قومهم فيبينوا لهم ذلك وينذرونهم ليحذروا، المراد بالنفر: الخروج لطلب العلم وذلك أن المسلمين بعد أن عيروا بالتخلف عن غزوة تبوك توفروا للخروج وتركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة وحده فنزلت حثا لهم في أن تنفر طائفة منهم للجهاد، ويبقى منهم من يبقى لئلا ينقطعوا عن سماع الوحي والتفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجهاد بالحجة أعظم من الجهاد بالسيف { يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } يعني يقرب منكم في الدار والنسب، وقيل: مثل بني قريظة والنضير وخيبر وفدك ونحوها، وقيل: أراد الروم وكانوا سكان الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق، { وليجدوا فيكم غلظة } الغلظة خلاف الرقة وهي الشدة، يعني وليخشوا منكم الغلظة، ونحو ذلك وأغلظ عليهم { وإذا ما أنزلت سورة } من القرآن { فمنهم } يعني من المنافقين { من يقول } بعضهم لبعض { أيكم زادته هذه إيمانا } ثم حال بين الفريقين، فقال تعالى: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } إخلاصا ويقينا { وهم يستبشرون } بما نزل من الفرائض ويبشر بعضهم بعضا، وقيل: بما وعد من النصر والثواب.
[9.125-129]
{ وأما الذين في قلوبهم مرض } يعني شك ونفاق { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ، قيل: كفرا إلى كفرهم، وقيل: إثما إلى إثمهم { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } ، قيل: أولا يعلمون هؤلاء المنافقين والرؤية بمعنى العلم، وقيل: بمعنى الإدراك بالبصر، ويفتنون أي يمتحنون في كل عام مرة أو مرتين بالمرض والقحط وغيرهما من بلاء الله تعالى أو يقتلون بالجهاد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما يرون من نصر الله لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما ينال أعداؤه من القتل والسبي، وقيل: بالمصائب التي تنزل، وقيل: بالغلاء والبلاء ومنع القطر وذهاب الثمار، { ثم لا يتوبون } أي لا يرجعون عما هم عليه { ولا هم يذكرون } { وإذا ما أنزلت سورة } من القرآن فيها فضائح المنافقين وهتك أستارهم، وقيل: فيها الأحكام { نظر بعضهم إلى بعض } تغامزوا بالعيون إنكارا للوحي وسخرية به قائلين: { هل يراكم من أحد } من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم { صرف الله قلوبهم } دعا عليهم بالخذلان، وقيل: صرف قلوبهم من الانشراح والتطهير الذي يجعله في قلوب المؤمنين، قوله تعالى: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلكم وقرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم، وقيل: هي قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثلكم وقرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم، وقيل: هي قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفاطمة (رضي الله عنها) { رؤوف رحيم } ، قيل: هما واحد، وقيل: هي الرحمة، وقيل: الرأفة أعظم من الرحمة، وقيل: لم يجمع الله تعالى إسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي قوله: { رؤوف رحيم } { فإن تولوا } يعني فإن أعرضوا عن الايمان بك وناصبوك فاستعن بالله وفوض أمرك اليه فهو كافيك { لا إله إلا هو } أي لا شبيه له ولا ند له { عليه توكلت } أي فوضت أمري اليه { وهو رب العرش العظيم } أي خالق العرش وخصه بالذكر تفخيما لثنائه له ، وقيل: ليدل بأنه مالك الملوك، والعرش في اللغة السرير، وقيل: أراد بالعرش الملك والسلطان ومنه:
ولها عرش عظيم
[النمل: 23] روي أن آخر القرآن عهدا بالسماء هاتين الآيتان خاتمة براءة { لقد جاءكم } إلى آخرهما، وقيل: آخر سورة نزلت براءة، وقيل: آخر ما نزل من القرآن
Page inconnue