Tafsir
تفسير الجيلاني
خاتمة السورة
عليك أيها الموحد المترقب بهذا النداء، والمحب المترصد لسماع هذا الصدى أن تكون في عموم أوقاتك على حضور مع ربك، بحيث لا يشغلك عنه سبحانه الالتفات إلى غيره مطلقا من الميل إلى الدنيا وأمانيها وعموم ما فيها، بل تكون مطمئنا راضيا بما جرى عليك من مقتضيات القضاء، مفوضا أمورك كلها إليه على وجه التسليم والرضا، متوجها بالعزيمة الخالصة نحو المولى، حتى تكون مخاطبا بهذا الخطاب المستطاب في كل نفس من أنفاسك التي جرت عليك في عموم أوقاتك وحالاتك.
وبالجملة: لا تغفل عن الله مطلقا تقر بتشريف أمثال هذه الخطابات العلية والكرامات السنية.
جعلنا الله من زمرة المستيقظين المطمئنين.
[90 - سورة البلد]
[90.1-10]
{ لا أقسم بهذا البلد } [البلد: 1] الذي هو كعبة آمال أرباب الإرادة والطلب؛ ألا وهو السواد الأعظم اللاهوتي؛ إذ لا حاجة بالقسم لأرباب المعرفة، بل أقسم لأصحاب الغفلة { بهذا البلد } يعني: مكة - شرفها الله - التي وضعت بيتا حراما، لا يحل لأحد أن يفعل فيها شيئا من المحظرات المباح.
{ و } من جملة خواصك التي اصطفيناك وميزناك بها عن سائر الناس يا أكمل الرسل هي أنه: { أنت حل } يعني: أنت لجمعك وجامعيتك وحيازة مرتبتك عموم المراتب، مستحل للتعرف خاصة للقتل والأسر في الحرم من بين عموم الناس؛ لمزيد فضليتك ومنزلتك عند الله، وزيادة خصوصيتك { بهذا البلد } [البلد: 2] الذي حرم على عموم العباد، وإنما أحل لك أيضا ساعة من نهار لا أزيد منها، وبعد ذلك يحرم لك أيضا.
{ ووالد } أي: أقسم بالوالد الذي هو آدم الصفي عليه السلام في عالم الاهوت { وما ولد } [البلد: 3] منه في عالم الطبيعة بعد هبوطها إلى مضيق الناسوت.
وبالجملة: بحق هذه المقسمات العظام { لقد خلقنا الإنسان } أي: أظهرنا نشأة ناسوته مغمورا { في كبد } [البلد: 4] تعب ومشقة كثيرة، شاغلة لعموم حواسه ومداركه بحيث يستوعب ويحيط بجميع القوى والالات حوائج المعاش وأسبابه، فاشتغل عن الله بسبب ذلك وترك أمر معاده، فأخذه في كسب الأموال وجميع الحطام والآثام المبعدة عن الحكيم العلام، فصار من غاية استغراقه بالدنيا نسي العقبى، وزلت نعله عن طريق المولى.
Page inconnue