863

{ ثم كان علقة } قذرة في الرحم، كسائر الأقذار { فخلق } أي: قدر سبحانه أعضاءه وجوارحه منها، وبعدما قدره وصوره { فسوى } [القيامة: 38] أي: عدله وقومه سبحانه بحوله وقوته، فصار جسدا ذا حس وحركة، وقواه فأقامه.

{ فجعل } وخلق بكمال قدرته، ومتانة حكمته وصنعته لمصلحة التناسل والتكاثر { منه } أي: من ماء الإنسان ونطفته { الزوجين } الصنفين { الذكر والأنثى } [القيامة: 39] تتميما للحكمة البالغة المتقنة.

ثم قال سبحانه موبخا مقرعا على وجه الاستبعاد عن كفران الإنسان، وإصراره على إنكار البعث والحشر، وإعادة الأموات أحياء كما كان: { أليس ذلك } القادر المقتدر الذي قدر على خلق هذه الصور المهينة الخبيثة وتبديلها، صورها عجيبة بديعة، قابلة لفيضان أنواع الكمالات، لائقة للخلافة والنيابة الإلهية { بقادر على أن يحيي الموتى } [القيامة: 40] مرة بعد أخرى، مع أن الإعادة أهون من الإبداء؟!

بلى، لك الإعادة والإبداء أيها القادر المقتدر على خلق الأشياء، أنت تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد لا تسأل عن فعلك، إنك حميد مجيد.

خاتمة السورة

عليك أيها الموحد المتحقق بحيطة الحق وشموله، واستقلاله في تصرفات ملكه وملكوته، وجبروته ولاهوته أن تعتقد أن قدرته الكاملة لا يعتريها كلال، ولا يعرضها فطرة ولا زوال، بل له أن يظهر ويوجد بمقتضى قدرته جميع ما ثبت وتحقق في حضرة علمه، ولوح قضائه من الصور البديعة التي لا يخطر ببالك مطلقا، فله أن يكون ويوجد من كل ذرة عوالم ما شاء الله، وكذا يدرج العوالم الغير المحصورة في كل ذرة من ذرائر الكائنات.

وبالجملة: من وصل إلى سعة قلب الإنسان، وساحة صدره ظهر عنده أنه لا يمتنع، ولا يستحيل في جنب قدرته سبحانه وإرادته شيء من مقدوراته ومراداته مطلقا.

فهيهات هيهات لو نظرت إلى أجزاء العالم بنظر العبرة والاستبصار، بل إلى نفسك ورقائق أعضائك وجوارحك، ودفعت الألفة والعادة عن البين، لرأيت من كل شيء وفي كل ذرة من ذرائر العالم عجائب وغرائب، لا تعد ولا تحصى.

غاية ما في الباب: إن ألفك حجبك عن هذا الإدراك، وعادتك عاقتك عن رؤية البدائع الإلهية، ولو تنور بصر بصيرتك، ونظر سرك وسريرتك بكحل الاستبصار والاعتبار، لرأيت من عجائب قدرة الله، وبدائع صنعه وحكمته في كل طرفة ولمحة ما بجنبه أمر الحشر والنشر، وإعادة الأموات أحياء سهل يسير.

حققنا بحقيتك وقيوميتك يا ذا القوة المتين.

Page inconnue