805

{ ذلك } أي: اجتراؤهم على تلك الشهادة على وجه المراء والنفاق، وإصرارهم على الكفر والشقاق { بأنهم } أي: بسبب أنهم { آمنوا } أولا بالله وبرسوله، وأقروا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم على وجه النفاق صونا لأموالهم وأنفسهم { ثم كفروا } بعدما آمنوا عن مكر المؤمنين { فطبع } الكفر حينئذ { على قلوبهم } ورسخ فيها واستحكم، وبعد الطبع والتمرن { فهم لا يفقهون } [المنافقون: 3] ولا يفهمون حقية الإيمان ولذته وصحبته، ولا باطلية الكفر وفساده.

{ و } بالجملة: هم من غاية غفلتهم عن الله، ونهاية عرائهم وخلوهم عن نور الإيمان { إذا رأيتهم } يا أكمل الرسل { تعجبك أجسامهم } أي: سمتها وضخامتها { وإن يقولوا } أيضا كلاما { تسمع لقولهم } لفصاحتهم وحلاوة نظمهم، إلا أنهم لخلوهم عن العلم اللدني، والرشد المعنوي، والصفاء الفطري الذاتي الذي هو نفوذ أرباب المحبة والولاء { كأنهم خشب } يابسة فانية، فاقدة للقابلية الفطرية { مسندة } على جدار الجهل والبلادة، ومع ذلك { يحسبون } يظنون ويترقبون من شدة شكيمتهم وغيظهم مع المؤمنين { كل صيحة } واقعة { عليهم } مسموعة لهم { هم العدو } يصيح عليهم؛ ليهلكهم.

وبعدما صار بغضهم مع المؤمنين، ومخافتهم من العدو بهذه الحثيثة { فاحذرهم } يا أكمل الرسل، واترك مصاحبتهم، واحترز من غيلتهم وطغيانهم؛ إذ الخائف ربما يصول بلا سبب وداع عليهم، وقل في شأنهم: { قاتلهم الله } المنتقم الغيور { أنى يؤفكون } [المنافقون: 4] وكيف يصرفون وينحرفون عن الحق الصريح إلى الباطل الغير الصحيح، مع أنه لا ضرورة تلجئهم إليه؟!

[63.5-7]

{ و } من شدة بغضهم وضغينتهم مع المؤمنين المخلصين { إذا قيل لهم } إمحاضا للنصح: { تعالوا } هلموا أيها المسرفون المفرطون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم { يستغفر لكم رسول الله } صلى الله عليه وسلم، ويطلب مغفرتكم من العفو الغفور { لووا رءوسهم } وعطفوا أعناقهم عن القبول معتذرين بأعذار كاذبة مخافة وصونا { ورأيتهم } حينئذ في وجوههم التي هي عنوان بواطنهم آثار الكفر والعناد؛ إذ هم { يصدون } ويعرضون معتذرين عن المؤمنين { وهم } في أنفسهم { مستكبرون } [المنافقين: 5] عن القبول والاعتذار.

وبالجملة: { سوآء عليهم } يا أكمل الرسل { أستغفرت لهم } من الله المنتقم الغيور { أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } العليم الحكيم، المتقن في عموم الأفعال أبدا { إن الله } المطلع على ما في استعدادات عباده { لا يهدي } ويرشد إلى جادة توحيده { القوم الفسقين } [المنافقون: 6] منهم، الخارجين عن مقتضى الحدود الإسلامية.

وكيف يهديهم ويغفر له سبحانه، مع أنهم { هم } المسرفون المفسدون { الذين يقولون } للأنصار؛ من نهاية عداوتهم وبغضهم مع الرسول والمؤمنين: { لا تنفقوا على من عند رسول الله } يعنون: فقراء المهاجرين { حتى ينفضوا } وينتشروا بعدما اضطروا من حوله { و } لم يعلموا هؤلاء الغفلة الضالون، والجهلة الهالكون في تيه الجهل والعناد أن { لله } وفي قبضة قدرته، وتحت ضبطه وملكيته { خزآئن السموت والأرض } أي: الكنوز المكنونة المطلوبة في ضمن العلويات، والمدفونة في السفليات { ولكن المنافقين } المصرين على الكفر والعناد { لا يفقهون } [المنافقون: 7] كما قدرة الله، وسعة خزائن كرمه وجوده؟!

[63.8-11]

ومن نهاية غافلتهم عن الله، وعداوتهم مع المؤمنين: { يقولون } على سبيل التهور والتهديد: { لئن رجعنآ } عن سفرنا هذا { إلى المدينة ليخرجن الأعز } يريدون أنفسهم { منها } أي: من المدينة { الأذل } يريدون المؤمنين، وذلك أن أعرابيا من المهاجرين نازع أنصاريا في بعض الغزوات على ماء فضرب الأعرابي رأسه بخشبة، فشكا إلى بان أبي وملئه، فقالوا: لا تنفقوا على من عند رسو الله حتى ينفضروا، وإذا { رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } [المنافقون: 8]، { و } لم يعلموا أولئك الغواة الضالون في تيه العتو والعناد أنه { لله العزة } أي: القوة والغلبة أصالة { ولرسوله } تبعا { وللمؤمنين } بمتابعة الرسول { ولكن المنافقين لا يعلمون } [المنافقون: 8] عزة الله وعزة أهل الله؛ لفرط جهلهم وغرورهم بأموالهم وأولادهم؛ لذلك يحصرون العزة والقوة بأنفسهم.

ثم قال سبحانه تسلية للمؤمنين مشتملة على نوع من التعريض، والحث والترغيب: { يأيها الذين آمنوا } مقتضى إيمانكم: ألا تلتفتوا لعزة الدنيا، ولا تغتروا بكثرة الأموال والأولاد فيها؛ حتى { لا تلهكم } ولا تشغلكم { أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } وعن التوجه نحوه، والركون إليه في مطلق الأحوال { ومن يفعل ذلك } والتفت إلى مزخرفات الدنيا، وشغل بها عن الله { فأولئك } البعداء المشغولون بالخسيس الأدنى عن الشريف الأعلى { هم الخاسرون } [المنافقون: 9] المقصورون على الخسران الكلي؛ لاستبدالهم الباقي بالفاني، والزاهق الزائل بالقهار القديم.

Page inconnue