796

جعلنا الله ممن تحقق بوحدة ذاته، وانكشف بكمالات أسمائه وصفاته.

خاتمة السورة

عليك أيها السالك المتحقق بمقر التوحيد، المكشف بوحدة الذات وكمالات الأسماء والصفات الذاتية الإلهية - مكنك الله في مقر عزك بلا تذبذب وتلوين - أن تطالع آثار أسمائه الحسنى، وصفاته العليا على صفحات الكائنات الغيبية والشهادية، وتعتبر منها حسب استعدادك، وقدر قابليتك الموعدة فيك من قبل الحق.

وإياك إياك أن تنحرف عن جادة العدالة الشرعية التي هي منتخبة عن العدالة الإلهية الواقعة بين مقتضيات أسمائه الذاتية، وصفاته العلية، فلك أن تطابق عموم أعمالك وأخلاقك وأطوارك عليها، بحيث لا تهمل شيئا من دقائقها؛ إذ بقدر إهمالك من حدودها أحطت عن درجة التوحيد، ومرتبة أهل الوحدة الذاتية؛ إذ الشريعة إنما هي الوقاية الموضوعة بالوضع الإلهي بين الأنام؛ ليوفقهم الحق بها إلى دار السلام التي هي مقعد صدق الرضا والتسليم الذي هو أعلى مقامات العارفين، وأقصى حالات الموحدين المكاشفين.

هدانا الله وعموم عباده إلى سواء السبيل، وأعاذنا الله وإياهم عن الانحراف والتحويل بلطفه الجميل، وكرمه الجزيل.

[60 - سورة الممتحنة]

[60.1-3]

{ يأيها الذين آمنوا } مقتضى اتصافكم بالإيمان بالله وبوحدة ذاته، وكمالات أسمائه وصفاته: أن { لا تتخذوا عدوي } وهم الذين خرجوا من عروة وعبوديتي بإثبات الوجود لغيري { وعدوكم } إذ عداوتهم إياي مستلزمة لعداوتهم إياكم أيضا؛ إذ صديق العدو كعدو الصديق { أوليآء } أحباء، توالون معهم كأرباب المحبة والولاء، وتظهرون محبتهم ومودتهم إلى حيث { تلقون } ترسلون { إليهم } رسالة مشعرة { بالمودة } الخالصة، المنبئة عن إفراط المحبة والإخاء { و } الحال أنهم { قد كفروا } وأعرضوا { بما جآءكم } أي: بعموم ما نزل على رسولكم { من الحق } الحقيق بالإطاعة والاتباع، وبالغوا في الإعراض والإنكار إلى حيث { يخرجون الرسول } أصالة { وإياكم } تبعا بوسطة { أن تؤمنوا بالله ربكم } الذي رباكم على فطرة التوحيد والإيمان، وقبول دين الإسلام من النبي المبعوث إلى كافة الأنام؛ ليشردهم إلى دار السلام.

وبالجملة: { إن كنتم } أيها المؤمنون الموحدون { خرجتم } عن أوطانكم، وبقاع إمكانكم { جهادا } أي: لأجل الجهاد والقتال { في سبيلي } أي: سبيل توحيدي، وترويج ديني، وإعلاء كلمة توحيدي { وابتغآء مرضاتي } في امتثال أمري، وإطاعة حكمي فلزمكم ترك موالاة أعدائي والمؤاخاة معهم، مع أنكم أنتم { تسرون } وتخفون { إليهم بالمودة } ظنا منك أني لا أطلع على ما في سرائركم وضمائركم من محبة الأعداء ومودتهم { و } الحال أنه { أنا أعلم } منكم { بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم } أي: بجميع ما تسرون وما تعلنون { و } بالجملة: { من يفعله منكم } أي: الاتخاذ المذكور { فقد ضل سوآء السبيل } [الممتحنة: 1] أي: انحرف عن جادة العدالة الإلهية، ومال عن الصراط المستقيم الموصل إلى مقصد التوحيد.

واعلموا أيها المؤمنون أنكم، وإن بالغتم في إظهار المحبة والمودة بالنسبة إليهم، وهم بمكان من العداوة وشدة الخصومة إلى حيث { إن يثقفوكم } ويظفروا منكم بالفرض والتقدير { يكونوا لكم أعدآء } ألبتة، بل يظهروا العداوة { ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } بالقتل والأسر وقطع العضو، والشتم المفرط، وأنواع الوقاحة، بل { وودوا } وتمنوا في أنفسهم دائما { لو تكفرون } [الممتحنة: 2] وترتدون عن دينكم، وتلتحقون بكفرهم.

Page inconnue