Tafsir
تفسير الجيلاني
ثم لما عد سبحانه نبذا من نعمه الشاملة على عموم الأنام، خاطب المكلفين منهم على سبيل الامتنان، وهم الثقلان المجبولان على فطرة التوحيد، واستعداد الإيمان والعرفان، فقال: { فبأي آلاء ربكما } ونعماء موجدكما ومربيكما { تكذبان } [الرحمن: 13] أيها المغموران في نعمه، المستغرقان في بحار جوده وكرمه.
وكيف يسع لكما الكفران لنعم الله، والطغيان عليه سبحانه، مع أنه { خلق الإنسان } المصور بصورة الرحمن، وقد خلقه { من صلصال } أي: طين يابس له صلصلة وصوت { كالفخار } [الرحمن: 14] أي: الخزف المتخذ من التراب، الموقد بالنار، ومع دناءة منشئة ومادته، رفعه إلى حيث جعله خليفة للحق، نائبا عنه، ومرآة مجلوة قابلة لفيضان كمالات أسمائه وصفاته.
{ وخلق الجآن } أي: الجن، وقدر وجودهم { من مارج } من دخال صاف حاصل { من نار } [الرحمن: 15] موقدة ملتهبة مشتعلة على وجه الحركة والاضطراب، ومع رداءة مادتها وكثافتها، جعله شبيها بالملأ الأعلى، متصفا بها في كمال اللطافة والصفاء إلى حيث لا يرى أشبحهم كالملائكة.
وإذ كان شأن الحق معكما هذكا { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 16] وتنكران أيها الثقلان.
[55.17-40]
وكيف يليق بشأنه سبحانه الإنكار والتكذيب، مع أنه سبحانه { رب المشرقين } أي: مشرقي الظهور والبروز من عالم العماء واللاهوت إلى فضاء الأوصاف والأسماء المسمى: بالغيب والأعيان الثابتة، ثم منها إلى عالم الشهادة في السير الهابط { ورب المغربين } [الرحمن: 17] أي: مغربي الخفاء والبطون عن عالم الناسوت إلى برزخ الأعيان الثابتة، ثم عنها إلى عالم اللاهوت في السير الصاعد؛ إذ يتوالد دائما على شمس الحقيقة والحقية الذاتية، باعتبار تجلياتها حسب أسمائها وصفاتها، شروق وأفول، وطروق طلوع وغروب؟!
وبالجملة: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 18] أيها المظهران الكاملان المجبولان على فطرة الشعور والعرفان.
ومن أنى يتأتى التكذيب في شأ،ه سبحانه؛ إذ هو بمقتضى قدرته { مرج البحرين } أي: أرسل وأطلق بحر الوجود والعدم إلى حيث { يلتقيان } [الرحمن: 19] أي: يتمازجان ويختلطان، بحيث لا يتمايزان عند المحجوب الفاقد عن الكشف والشهود؟!
ويبقى { بينهما } عناية منه سبحانه { برزخ } هو الإنسان الكامل المنكشف بكيفية انبساط بحر الوجود العذب على بحر العدم المالح، وامتداده عليه وانطباق سطوحهما، بحيث لا يتمايزان عند المحجوب الفاقد عين العبرة، وبصر البصيرة، وجعل سبحانه برزخ الإنسان الكامل على مقتضى الحكمة المعتدلة، بحيث { لا يبغيان } [الرحمن: 20] أي: لا يبغي ويغلب كل من يجري الوجود والعدم على صاحبه في مرتبته ونشأته، حتى يبطل حكمة الظهور والبطون، والجلاء والخفاء، والإلوهية والعبودية، وسائر المتقابلات المترتبة على الشئون الإلهية المتفرعة على الأسماء الذاتية.
{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } [الرحمن: 21] أيها المكلفان الذاتية.
Page inconnue