712

{ وقالوا } منكرين الحشر والنشر: { ما هي } أي: ما الحال والحياة { إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا } فيها لا منزل لنا سواها، ولا سكن لنا غيرها { و } بالجملة: { ما يهلكنآ } ويميتنا فيها { إلا الدهر } أي: مر الزمان وكر الأعوام، لا فاعل سواه، ولا متصرف إلا هو { و } الحال أنه { ما لهم بذلك } الذي صدر عنهم { من علم } عقلي أو نقلي أو كشفي بل أن { إن هم } أي: ما هم باعتقادهم هذا { إلا يظنون } [الجاثية: 24] ظنا على وجه التقليد والتخمين بلا سند لهم يستندون إليه، سوى الألف بالمسحوسات والتقليد بالرسوم والعادات.

[45.25-29]

{ و } من نهاية جهلهم وغفلتهم عن الله وعن مقتضى ألوهيته وربوبيته { إذا تتلى عليهم ءايتنا } الدالة على كمال تربيتنا إياهم مع كونها { بينات } مبينات لهم طريق الهداية والرشاد، منبهات لهم إلى معياد المعاد { ما كان حجتهم } حين سمعوها { إلا أن قالوا } على سبيل الإنكار والاستبعاد { ائتوا بآبآئنآ } وأسلافنا الذين مضوا وانقرضوا أحياء كما كانوا { إن كنتم صادقين } [الجاثية: 25] في دعوى الحشر والنشر والميعاد الجسماني.

وبعدما أعرضوا عن الحق وانصرفوا عن الآيات البينات، وتشبثوا بأمثال هذه الحجج الواهية: { قل } لهم يا أكمل الرسل كلاما يحرك سلسلة حميتهم الفطرية، ومحبتهم الجبلية لو ساعدهم التوفيق والعناية من عندنا: { الله } المظهر للكل، المحيط به، المتصرف فيه على الإطلاق بالاختيار والاستحقاق { يحييكم } ويبعثكم في النشأة الأخرى كما أوجدكم وأظهركم من كتم العدم أولا في النشأة الأولى، يبسط ظله عليكم { ثم يميتكم } ويعدمكم بقبضه عنكم { ثم يجمعكم } أي: أنتم ومن انقرض من آبائكم { إلى يوم القيامة } الذي { لا ريب فيه } وفي وقوع ما فيه من الحساب والجزاء والسؤال والصراط والجنة والنار وسائر المعتقدات الأخروية { ولكن أكثر الناس } المجبولين على الكفران والنسيان { لا يعلمون } [الجاثية: 26] وقوعه وقيامه، بل ينكرون عليه لاعتيادهم بالأمور الحسية، وقصورهم عن مدركات الكشف والشهود.

{ و } كيف ينكرون جمع الله عباده في النشأة الأخرى؛ إذ { لله } المتوحد في الألوهية والربوبية { ملك السماوات والأرض } وملكوتهما، وله التصرف المطابق في ملكه وملكوته بالاستقلال، إرادة واختيارا { ويوم تقوم الساعة } المعدة للحشر والجزاء { يومئذ يخسر المبطلون } [الجاثية: 27] المنكرون حين يشهدون ربح المحقين المؤمنين بقيام الساعة، وبحقية جميع ما فيها من الوعد والوعيد.

{ وترى } أيها المعتبر الرائي حين تقوم الساعة ويحشر الناس إلى الحشر للحساب { كل أمة } من الأمم { جاثية } أي: كل فرد من أفراد الأمم { كل أمة تدعى إلى كتابها } بين يدي الله إلى صحيفة أعمالها التي كتب فيها جميع أحوالها وأفعالها الكائنة الحاصلة منها في النشأة الأولى، فيقال لهم حينئذ: { اليوم تجزون } كل منكم { ما كنتم تعملون } [الجاثية: 28] في نشأتكم الأولى، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وبالجملة: { هذا كتابنا } الذي فصلنا فيه أعمال كل منكم { ينطق عليكم } وذكركم { بالحق } على الوجه الذي صدر عنكم بلا زيادة ولا نقصان { إنا } بعدما كلفناكم على امتثال أوامرنا، والاجتناب عما نهيناكم عنه { كنا نستنسخ } ونأمر الملائكة الموكلين عليكم، المراقبين لأحوالكم وأعمالكم أن يكتبوا جميع { ما كنتم تعملون } [الجاثية: 29] أي: أعمالكم حسناتها وسيئاتها، صغائرها وكبائرها.

[45.30-32]

وبعدما تحاسبون على مقتضى كتبكم وصحائفكم: { فأما الذين آمنوا } أذعنوا وأيقنوا بوحدة الحق، وصدقوا رسله وكتبه { و } مع كمال إيمانهم ويقينهم { عملوا الصالحات } من الأفعال والأخلاق تقربا إلى الله، وتأدبا معه سبحانه بما يليق بعبوديته وتعظيم شأنه { فيدخلهم ربهم } الذي يوفقهم على الإيمان والتوحيد في سعة { رحمته } وفضل وحدته وفضل لطفه { ذلك } الذي بشر به عباده المؤمنين المخلصين { هو الفوز المبين } [الجاثية: 30] والفضل العظيم، لا فوز أعظم منه وأعلى.

{ وأما الذين كفروا } بالله وأنكروا وحدة ذاته، بل أثبتوا له شركاء ظلما وزورا، يقال لهم حينئذ من قبل الحق مستفهما على سبيل التوبيخ والتقريع: { أفلم تكن ءايتى تتلى عليكم } أي: ألم يأتكم رسلي، ولم يتلوا عليكم آياتي الدالة على عظمة ذاتي وكمال قدرتي على أنواع الانتقامات والوعيدات، فكذبتم بهاوبهم، بل { فاستكبرتم } على الرسل ومن قبول الآيات { و } بالجملة: { كنتم قوما مجرمين } [الجاثية: 31] مستكبرين، عادتكم الإجرام والعدوان.

Page inconnue