Tafsir
تفسير الجيلاني
{ و } كيف تنكروف وجود موجدكم { الذي نزل من السمآء } أي: من عالم الأسباب { مآء } محييا لأموات المسببات { بقدر } معتدل معتاد { فأنشرنا به } أي: أحيينا وأخضررنا بإجراء الماء المحيي { بلدة } جافا يابسا لا نبات فيها، ولا خضرة لها { ميتا كذلك } أي: مثل إخراجنا النبات من الأرض اليابسة بإنزال الماء { تخرجون } [الزخرف: 11] وتنشرون؛ أي: الموتى حال كونكم موتى من قبورهم بنفخ الروح فيكم تارة أخرى.
{ و } كيف تجحدون وتنكرون وجود الصانع الحكيم ووحدته مع أنه { الذي خلق } وأظهر { الأزواج كلها } أي: جميع أصناف المخلوقات من زوجات ممتزمجات { وجعل لكم } تتميما لأمور معاشكم وتسهيلا لها { من الفلك والأنعام ما تركبون } [الزخرف: 12] أي تركبونه.
{ لتستووا } وتتمكنوا { على ظهوره } أي: ظهور ما خلق لكم من المراكب { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } كيف أفاض عليكم من النعم أصولها وفروعها، وتواظبوا على شركها أداء لحق شيء منها { وتقولوا } عند استوائكم عليها: { سبحان الذي } أي: تنزه وتقدس عن شوب النقص والاستكمال ذات القرار العليم الحكيم، الذي { سخر لنا هذا } المركوب { وما كنا له مقرنين } [الزخرف: 13] مطيقين لتسخيره لولا إقراره وستخيره سبحانه لنا.
{ و } بالجملة: { إنآ } في عموم أوصافنا وأحوالنا وذواتنا { إلى ربنا } الذي أظهرنا بمد أظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا علينا، وربانا بمقتضى لطفه بالنعم الأوفى { لمنقلبون } [الزخرف: 14] راجعون إليه، صائرون نحوه بعد انخلاعنا عن لوازم ناسوتنا وارتفاع غشاوة تعيناتنا عنا.
وإنما أوصله به تنبيها على أن العبد العارف لا بد أن يكون في عموم انقلاباته وحالاته مسترجعا إلى الله، عازما نحو الفناء فيه، متذكرا لموطنه الأصلي ومقره الحقيقي.
[43.15-20]
{ و } من غاية غفلتهم عن الحق وجهلهم بحقوق ألوهيته وربوبيته: { جعلوا له } سبحانه واتخذوا { من عباده } بعضا، وادعوه { جزءا } له، وولدا ناشئا منه حيث قالوا: الملائكة بنات الله، والعزير ابن الله، والمسيح كذلك، وبالجملة: { إن الإنسان } المجبول على الجهل والنسيان { لكفور } متناه في الغفلة عن الله، والكفران بنعمه وحقوق كرمه { مبين } [الزخرف: 15] ظاهر البغي والطغيان على الله، والإلحاد عن دينه وطريق توحيده.
ومن شدة ظهور بغيهم وطغيانهم: أثبتوا له أولادا { أم اتخذ } أي: بل قالوا: اتخذ وأخذ { مما يخلق } سبحانه؛ أي: من مظاهره ومصنوعاته أخسها وأدونها؛ أعني: { بنات وأصفاكم } أي: أخلص أنفسكم { بالبنين } [الزخرف: 16].
{ و } كيف تثبتون لله الواحد الأحد الصمد بنات، وتختارون لأنفسكم بنين مع أنه { إذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } من إثبات البنات له { ظل } صار { وجهه مسودا } من كمال ضجرته وكآبتها { وهو } حينئذ { كظيم } [الزخرف: 17] مملوء من الغيظ والكرب.
{ أومن ينشأ } أي: أتثبتون للصمد المنزه عن الأهل والولد ولدا ناقصا يربى ويزين { في الحلية } والزينة، لعدم كماله الذاتي { و } الحال أنه { هو في الخصام } أي: المجادلة والمحاباة { غير مبين } [الزخرف: 18] معرب مظهر؛ لما يدعيه لنقصان عقله وركاكة رأيه وفهمه، وهن البنات الناقصات عقلا ودينا وخلقة، وبالجملة: أثبوا لله ما ينزهون أنفسه عنه، ويتغممون عند حصوله لهم.
Page inconnue