Tafsir
تفسير الجيلاني
{ قال الذين استكبروا } أي: الرؤساء المتبوعين { إنا } نحن وأنتم { كل } منا معذبون { فيهآ } أي: في النار، لا يسع أحد منا ومنكم، ليدفع شيئا منها { إن الله } المنتقم الغيور { قد حكم بين } عموم { العباد } [غافر: 48] بأن أدخل بعضا منهم في الجنة بفضله، وبعضا في النار بعدله، ولا معقب لحكمه، وهو شديد المحال.
{ و } اذكر يا أكمل الرسل لأصحاب العبرة ما { قال الذين } كفروا حال كونهم { في النار } محزونين متضرعين { لخزنة جهنم } وهي أعمق أماكن النار وأغروها: { ادعوا ربكم } أيها الخزنة حسبة لله، واستشفعوا منها سبحانه لأجلنا، وإن لم يغفر لنا، ولم يعف عن جرائمنا { يخفف عنا يوما } أي: مقدار يوم واحد { من العذاب } [غافر: 49] الدائم المستمر حتى نتنفس فيه ونستريح.
{ قالوا } أي: الخزنة في جوابهم تهكما وتوبيخا على سبيل التجاهل: { أولم تك } أيها الحمقى الهالكون في تيه البعد والضلال { تأتيكم رسلكم } المبعوثون إليكم { بالبينات } الواضحة الدالة على قبول الإنذارات الصادرة من الله أصالة ومنهم تبعا، وبعدما سمعوا من الخزنة ما سمعوا { قالوا } متأوهين متحسرين: { بلى } قد جاءنا نذير فكذبنا، وقلنا: ما نزل الله من شيء { قالوا } أي: الخزنة بعدما سمعوا منهم ما سمعوا: إن أنتم إلا في ضلال مبين { فادعوا } على حالكم بلا استشفاع منا؛ إذ نحن لا نجترئ بالشفاعة عنده، والاستغفار منه سبحانه لأمثالكم؛ إذ لا يقبل الدعاء منا ومنكم في أمثال هذه الجرائم الكبيرة.
{ و } بالجملة: { ما دعاء الكافرين } المصرين على كفرهم في النشأة الأولى التي هي دار الاختبار؛ لاستخلاصهم في النشأة الأخرى التي هي دار القرار { إلا في ضلال } [غافر: 50] ضياع وخسار، لا يسمع من أحد أمثال هذا الدعاء، ولا يجاب له.
ثم قال سبحانه وعدا للمؤمنين وحثا لهم على تصديق رسل الله وكتبه: { إنا } من مقام عظيم جودنا ولطفنا { لننصر } ونعاون { رسلنا } الذين هم حملة وحينا، وحفظة ديننا { والذين آمنوا } لهم، واسترشدوا منهم طريق الهداية، واجتنبوا بسببهم عن الغي والضلا { في الحياة الدنيا } التي هي نشأة الفتن والاختبارات الإلهية، بتوفيقهم على العمل الصالح، وردعهم عن المفاسد والمنكرات، وننصرهم أيضا نصرة تامة { ويوم يقوم الأشهاد } [غافر: 51] أي: يوم القيامة التي تقوم فيها الشهود والعدول من الملائكة والنبيين والمؤمنين لنصرة المؤمنين ومقت الكافرين.
{ يوم لا ينفع الظالمين } الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية في نشأة الدنيا { معذرتهم } التي آتوا بها يومئذ؛ إذ قد انقضى حينئذ وقت التلافي والتدارك، ومضى زمان الاختبار، بل { ولهم اللعنة } أي: الطرد والتبعيد عن ساحة عز الحضور { ولهم } أيضا { سوء الدار } [غافر: 52] المعدة لأصحاب الخسار والبوار، وهي جهنم البعد والخذلان، أعاذنا الله منها.
[40.53-56]
ثم قال سبحانه تسلية لحبيبه، وتوطينا له على تحمل أعباء الرسالة الجالبة لأنواع المكروهات من النفوس المجبولة على الشقاوة والضلال والتبصر على أذياتهم: { و } الله { لقد آتينا } من كمال فضلنا وجودنا أخاك { موسى } الكليم { الهدى } أي: الشرائع والمعجزات الدالة على كمال الهداية والإرشاد إلى سبيل الرشاد والسداد { و } بعد انقراض موسى { أورثنا بني إسرائيل الكتاب } [غافر: 53] أي: التوراة المنزلة عليه.
وأبقيناها بينهم؛ لتكون { هدى } هاديا إلى ما هداهم موسى من الأمور الدينية { وذكرى } أي: عظة وتذكيرا يتذكرون به إلى ما يرمون من المقاصد الدينية والمعالم اليقينية، لا لكل أحد من العوام، بل { لأولي الألباب } [غافر: 54] الألباء المستكشفين عن سائر الأمور الدينية بمقضتى العقول المستقيمة المفاضة لهم من المبدأ الفياض.
ومع ذلك سمعت يا أكمل الرسل قصص أولئك الهالكين في تيه العتو والعناد، وما جرى بينهم وبين الرسل المبعوثين إليهم من التجار، والتنازع المفضي إلى أذى الأنبياء العظام والرسل الكرام، فصبروا على أذاهم إلى أن ظفروا عليهم بنصر الله إياهم وإعلاء دينه المنزل عليهم من عنده سبحانه.
Page inconnue