662

وإذا سمعتم كمال تربيته وتكميله سبحانه { فادعوا الله } الواحد الأحد الصمد، وتوجهوا نحوه، واعبدوا حق عبادته أيها المكلفون بمعرفته وتوحيده حال كونكم { مخلصين له الدين } أي: الإطاعة والانقياد بلا رؤية الوسائل والأسباب العادية في البين { ولو كره الكافرون } [غافر: 14] المكابرون إطاعتكم إياه، ورجوعكم إليه على وجه الإخلاص والختصاص.

[40.15-20]

وكيف لا يدعون ويعبدون له سبحانه، مع أنه هو في ذاته { رفيع الدرجات } أي: درجات قربه ووصوله رفعية، وساحة عز حضوره منيعة لا يسع لكل قاصد أن يحوم حولها، إلا بتوفيق منه سبحانه وجذب من جانبه { ذو العرش } العظيم؛ إذ لا ينحصر مقر استيلائه وظهوره بمظهر دون مظهر ومجلى دون مجلى، بل له مجالي إلى ما شاء الله؛ إذ هو بمقتضى تجليه الجمالي { يلقي الروح } على وجه الأمانة ويمد الظل { من أمره } بمقتضى حبه الذاتي { على من يشآء من عباده } أي: استعدادات مظاهرة المسظلين بظلال أسمائه وصفاتخ، وبعد إلقائه ومدة إياهم، كلفهم بما كلفهم من الأوامر والنواهي المصححة للعبودية اللازمة للألوهية والربوبية، وإنما كلفهم بما كلفهم { لينذر يوم التلاق } [غافر: 15] أي: يخوفهم عن زمان الوصول والرجوع في النشأة الأخرى، والطامة الكبرى التي ترد فيها الأمانات إلى أهلها على وجهها.

إذ هو { يوم هم بارزون } خارجون من أجداث أجسامهم، راجعنن إلى الله جميعا بأرواحهم، محشورون عنده معرضون عليه؛ بحيث { لا يخفى على الله } المحيط بهم { منهم شيء } من أعيانهم وأعمالهم ونياتهم، وبعدما برزوا لله ورجعوا نحوه صائرين إليه، فانين فيه، قيل لهم من قبل الحق بعد فناء الكل إظهارا لكمال قدرته وجلاله: { لمن الملك اليوم } أي: ملك الوجود والتحقق والثبوت، فأجيب أيضا من قبله؛ إذ لا موجود سواه، ولا شيء غيره: { لله الواحد } من كل الوجوه { القهار } [غافر: 16] لنقوش استوى سبحانه على الملك المطلق بالإطاعة والاستحقاق على ما كان ويكون في ازل الآزال وأبد الآباد، أشار إلى سرائر ما ظهر منه في النشأة الأولى فقال: { اليوم } أي: يوم الجزاء والنشأة الأخرى { تجزى كل نفس بما كسبت } أي: طبق ما كسبت واقترفت في النشأة الأولى، التي هي نشأة التكلف والاختبار بلا ازدياد وتنقيص عليه؛ إذ { لا ظلم اليوم } أي: يوم الجزاء؛ لأنه إنما وضع لظهور العدالة الإلهية والقسط الحقيقي، بل تجزى فيه كل من النفوس بجميع ما صدرت عنها، خيرا وشرا نفعا وضرا { إن الله } المطلع على عموم ما ظهر وبطن من عباده { سريع الحساب } [غافر: 17] عليهم بلا فترة وتلبيس؛ إذ لا يشغله شأن عن شأن، ولا يطرأ عليه سهو ونيسان.

{ وأنذرهم } يا أكمل الرسل؛ أي: عموم المكلفين { يوم الأزفة } والمشارفة على العذاب الأبدي، حين أحضروا على شفير جهنم للطرح فيها { إذ القلوب } أي: قلوب أولئك المحضرين ترتفع حينئذ { لدى الحناجر } وتلتصق بحلاقيمهم من كمال هولهم واضطرابهم، وكانوا حينئذ { كاظمين } ومملوئين من الغم والحزن وأنواع الكآبة والخذلان، وبالجملة: { ما للظالمين } أي: لهؤلاء المسرفين المقصورين على الخيبة والخسران حينئذ { من حميم } قريب يدركهم، ويولي أمرهم، ويسعى في استخلاصهم { ولا شفيع يطاع } [غافر: 18] أي: شفيع يشفع ويقبل الشفاعة منه لأجلهم.

مع أنه سبحانه { يعلم } بعلمه الحضوري { خآئنة الأعين } أي: خيانتهم التي يتغامزن بعيونهم نحو محارم الله { و } يعلم أيضا { ما تخفي الصدور } [غافر: 19] أي: ما تخفي صدورهم من الميل إلى الشهوات المحرمة بلا مباشرة الآلات.

{ و } بالجملة: { الله } المطلع بظواهرهم وضمائرهم { يقضي } ويحكم بهم، ويجازي عليهم بمقتضى علمه وخبرته منهم { بالحق } بلا حيف وميل إظهارا لكمال عدالته { والذين يدعون من دونه } سبحانه من الأوثان والأصنام { لا يقضون } ولا يحكمون لا لهم ولا عليهم { بشيء } من نفع وضر؛ إذ هم جمادات لا شعور لها { إن الله } القادر المقتدر على أنواع الإنعام والانتقام { هو السميع } لجميع ما صدر من ألسنة استعداداته { البصير } [غافر: 20] بما ظهر على هياكل هوياتهم.

[40.21-22]

ثم أشار سبحانه إلى تقريع أهل الزيغ والضلال، وتفضيح أصحاب العناد والجدال، فقال مستبعدا مستنكرا إياهم: { أ } ينكرون قدرتنا عليهم وانتقامنا عنهم { ولم يسيروا } ويسافروا { في الأرض } الموروثة لهم من أسلافهم الذين أسرفوا على أنفسهم أمثالهم { فينظروا } بنظر التأمل والاعتبار؛ ليظهر عندهم { كيف كان عاقبة } المسرفين { الذين كانوا من قبلهم } مستقرين عليها، متمكنين فيها، مترفهين أمثالهم، بل { كانوا هم } أي: أسلافهم { أشد منهم } أي: من هؤلاء الأخلاف { قوة } وقدرة وأكثر أموالا { وآثارا في الأرض } أي: حصونا وقلاعا وقصورا وأخاديد، وغير ذلك مما صدر من ذوي الأحلام السخيفة، ومع ذلك ما أغنى عنهم شيئا من غضب الله وعذابه، بل { فأخذهم الله } المنتقم منهم { بذنوبهم } التي صدرت عنهم على سبيل البطر والغفلة، فاستأصلهم بالمرة { وما كان لهم } حينئذ { من } عذاب { الله } وبطشه { من واق } [غافر: 21] حفيظ لهم، يمنع عذاب الله عنهم.

{ ذلك بأنهم } أي: ما ذلك البطش والانتقام إلا بسبب أنهم من شدة عتوهم وعنادهم { كانت تأتيهم رسلهم } من قبل الحق مؤيدين { بالبينات } الواضحة والبراهين القاطعة من أنواع الآيات والمعجزات { فكفروا } بالله وبهم أمثال هؤلاء التائهين في بيدات الغفلة والغرور، وأنكروا على بيناتهم، ونسبوها إلى السحر والشعبذة، وظهروا على رسل الله بأنواع الخرافات والهذيانات { فأخذهم الله } القدير الحليم بكفرهم وعتوهم، بعدما أمهلهم زمانا، يترددون فيما يرمون ويقصدون فيه، وكيف لا يأخذهم سبحانه { إنه قوي } مطلق، وقدير كامل على من ظهر عليه وخرد عن ربقة عبوديته { شديد العقاب } [غافر: 22] صعب الانتقامم على من كذب وتولى على الرسل الكرام.

Page inconnue