Tafsir
تفسير الجيلاني
{ تنزيل الكتاب } الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، إليك يا أكمل الرسل تأييدا لك في أمرك وشأنك { من الله } أي: من الذات المعبر بهذا الاسم الجامع { العزيز } المنيع الغالب ساحة عز حضوره عن أن يحوم حول وحيه شائبة الريب والتخمين { العليم } [غافر: 2] الذي لا يعزب عن حيطة علمه شيء مما جرى عليه قضاؤه.
{ غافر الذنب } أي: ساتر ذنوب الأنانيات، والهويات الحاصلة من انصباغ التعينات العدمية بصيغ الأسماء والصفات { وقابل التوب } أي: التوبة والرجوع على وجه الإخلاص والندم من إثبات الوجود لغيره سبحانه { شديد العقاب } على من خرج عن ربقة عبوديته بإسناد الحوادث إلى نفسه، أو إلى مثله في الحدوث والمخلوقية { ذي الطول } والغني عن توحيد الموحد وإلحاد المشرك الملحد؛ لأنه في ذاته { لا إله إلا هو } ولا موجود سواه يعبد له ويرجع إليه في الخطوب؛ إذ { إليه المصير } [غافر: 3] أي : مرجع الكل إليه سواء وحده الموحدون، أو ألحد في شأ،ه الملحدون المشركون.
ثم قال سبحانه توضيحا وتصريحا لما علم ضمنا: { ما يجادل } ويكابر { في } شأن { آيات الله } ودلائل توحيده واستقلاله في الآثار المترتبة على شئونه وتجلياته { إلا الذين كفروا } وستروا ظهور شمس الذات، وتحققها في صفحات الكائنات بغيوم هوياتهم الباطلة وتعيناتهم العاطلة { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } [غافر: 4] أي: لا يغررك يا أكمل الرسل إمهالنا إياهم، يتقبلون في بلاد الإمكان وبقاع الهيولي عن إمهالنا وعدم انتقامنا منهم بالطرد إلى هاوية العدم وزاوية الخمول.
وإن كذبوك يا أكمل الرسل في دعوتك وشأنك وعاندوا معك، فاصبر على أذاهم وتذكر كيف { كذبت قبلهم قوم نوح } أخاك نوحا، وكيف صبر هو حتى ظفر عليهم حين ظهر أمرنا، وجرى حكمنا بأخذهم واستئصالهم { و } كيف كذبت { الأحزاب } والأمم الكثيرة { من بعدهم } أي: بعد قوم نوح رسلهم المبعوثين إليهم للهداية والإرشاد.
{ و } بالجملة: { همت } وقصدت { كل أمة } من الأمم الماضية { برسولهم } المرسل إليهم { ليأخذوه } ويأسروه، بل ليقتلوه أو يستحقروه ويهينوه { وجادلوا } أولئك الهالكون المنهمكون في تيه الكبر والعناد معهم { بالباطل } الزاهق الزائل في نفسه { ليدحضوا به } ويزيلوا به { الحق } الحقيق بالإطاعة والاتباع { فأخذتهم } واستأصلهم بعدما أمهلتهم زمانا، يعمهون في طغيانهم، ويترددون في بنيانهم { فكيف كان عقاب } [غافر: 5] إياهم حين حل عليهم ما حل من العذاب.
[40.6-9]
{ وكذلك حقت } وثبتت { كلمة ربك } يا أكمل الرسل في لوح قضائه وحضرة علمه { على الذين كفروا } بك وبدينك وكتابك { أنهم أصحاب النار } [غافر: 6] أي: ملازموها وملاصقوها أبد الآباد، لا نجاة لهم منها، ف
ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون
[النحل: 127].
ثم أشار سبحانه إلى حث المؤمنين الموحدين على الإيمان، ومواظبة الشكر على إنعام الله إياهم باليقين، فقال: { الذين يحملون العرش } وهم الكروبيون الذين سبقوا بحمل العرش الإلهي، وحفظ ما انعكس فيهم من تجلياته الجمالية بدوام المراقبة والمطالعة بوجهه الكريم { ومن حوله } من الملائكة الذين يطوفون حول العرش، ويقتفون أثر أولئك الحملة السابقين كلهم { يسبحون } وينزهون الحق عن سمات الحدوث والإمكان، ويقدسونه عن عروض السهو والنيسان؛ إذ كمال ما يدرك المدرك منه سبحانه إنما هو التسبيح والتقديس، وإلا فالأمر أعز وأعلى من أن يحيط به الآراء ويحوم حوله الأهواء، ويواظبون { بحمد ربهم } على ما أولاهم نعمة التوجه إليه والتحنن نحوه.
Page inconnue