Tafsir
تفسير الجيلاني
جعلنا الله من خدامهم ومحبيهم، ومقتفي أثرهم.
ومن جملة فضل الله إياهم في أخراهم: { جنات عدن } معدة لهم نزلا ومنزلا من عند الله { يدخلونها } فريحن مسرورين آمنين فائزين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر { يحلون فيها } تزيينا وتفضلا { من أساور } جزاء ما اقترفوا بأيديهم من الحسنات { من ذهب } خالص مقابلة إخلاصهم في أعمالهم { ولؤلؤا } أي: يحلون أيضا من أنواع اللآلئ بدل ما يتقون نفوسهم من الميل إليها في نشأتهم الأولى { ولباسهم فيها حرير } [فاطر: 33] بدل ما يلبسون من الخشن في طريق المجاهدة والسلوك نحو الحق في النشأة الأولى.
{ و } بعدما وصلوا إلى مقام القرب، بل اتصلوا برفع أنانيتهم وهوياتهم الباطلة عن البين إلى ما انقلبوا { قالوا } بألسنة استعداداتهم موافقا لقلوبهم: { الحمد } أي: جنس الحمد والثناء الشامل لجميع محامد جميع الحامدين قولا وفعلا وحالا مقالا، مختص { لله } المستحق بالاستحقاق الذاتي والوصفي { الذي أذهب } وأزال { عنا الحزن } المورث لنا من لوازم تعيناتنا وإمكاننا { إن ربنا } الذي ربانا بأنواع الكرامة، ونجانا عن مضيق الإمكان المورث لأنواع الخذلان والخسران { لغفور } لذنوب أنانياتنا { شكور } [فاطر: 34] يقبل منا، يقربنا إلى فضاء توحيده بتوفيقه وتأييده.
إذ هو { الذي أحلنا } وأقمنا بفضله ولطفه { دار المقامة } أي: منزل الإقامة والخلود { من فضله } بنا ولطفه معنا؛ إذ لا موجب منا يوبجها لنا، ولا يجب عليه سحبانه أيصالنا إليها آمنين مترفهين بحيث { لا يمسنا فيها نصب } تعب وعناء مثل ما مسنا في الابتلاء { ولا يمسنا فيها لغوب } [فاطر: 35] أي: فترة وكلال تعقبب النصب.
[35.36-38]
نفى سبحانه بعد نفي الملزوم؛ مبالغا وتأكيدا، ثم أردف سبحانه وعد المؤمنين بوعيد الكافرين على مقتضى سنته المستمرة في كتابه، فقال: { والذين كفروا } بالله وأعرضوا عن كتبه ورسله، وأنكروا بالبعث والحشر وإعادة المعدوم { لهم نار جهنم } أي: معدة مسعرة لهم؛ ليعذبوا بها في النشأة الأخرى تعذيبا شديدا إلى حيث { لا يقضى } ولا يحكم { عليهم } بالموت من عنده سبحانه { فيموتوا } كي يستريحوا، بل كلما أشرفوا على الهلاك يعادوا ويعذبوا { ولا يخفف عنهم من عذابها } أبدا، ولا يمهلون ساعة حتى يتنفسوا، بل صاروا معذبين على التعاقب والتوالي أبدا بلا فرجة أصلا، كأبناء الدنيا المعذبين في دار الحرمان بنيران الإمكان إلى حيث تستوعب جميع أوقاتهم وأزمانهم، بحيث لا يسع لهم التنفس والتفرج أصلا { كذلك } أي: مثل ما نجازي أولئك المصرين على الكفر والعناد { نجزي كل كفور } [فاطر: 36] لحقوق نعمنا، منكر لمقتضيات جودنا وكرمنا.
{ وهم } من شدة فزعهم وهولهم { يصطرخون فيها } ويستغيثون من الله، صارخين، متحسرين، قائلين من كمال الضجرة والحسرة: { ربنآ } يا من ربانا بأنواع اللطف والكرم، فكفرناك وأعرضنا عنك وعن كتبك ورسلك { أخرجنا } وأعدنا منها إلى الدنيا كرة أخرى { نعمل صالحا } مقبولا عندك، مرضيا لك { غير } العمل { الذي كنا نعمل } عنادا ومكابرة، فالآن ظهر لنا الحق بطلان ما كنا نعمل من الأعمال الفاسدة الغير المطابقة لكتبك ودين رسلك، فلو أخرجتنا وأعدتنا لآمنا بك وبكتبك ورسلك، وبجميع ما جاءوا به من عندك.
وبعدما تمادوا وتطالوا في بث الشكوى، قيل لهم من قبل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع: { أ } تطلبون المهلة منا وتستمهلون عنا { ولم نعمركم } ونمهلكم أيها المسرفون المفرطون في الدنيا طويلا إلى حيث يسع في جميع { ما يتذكر فيه من تذكر } أي: وقت وسيع، يتذككر فيه من كان بصدد التذكر والتنبه، وهو من وقت البلوغ إلى سيتن سنة غالبا، ولم تتذكروا في تلك المدة لا من تلقاء أنفسكم مع أنكم مجبولون على فطرة التذكر { و } مع ذلك { جآءكم النذير } المذكر، المنذر لكم عن أمثال ما أنتم عليه الآن، فأنكرتم له ولم تتذكروا أيضا بقوله، حتى ظهر عليكم أمارات الشيب المذكر المخبر لكم للرحيل إلى السفر الطويل، ومع ذلك لم تتزودوا لها، فالآن قد انقضى وقت التذكر والتدبر، ومضى أوان التدارك والتلاقي، تطلبون العود والخروج؟! هيهات هيهات، إن وقت التفقد قد فات { فذوقوا } العذاب المخلد بدل تلك اللذات، فاعلموا الآن { فما للظالمين } الخارجين عن مقتضى حدود الله { من نصير } [فاطر: 37] ينصرهم في رفع العذاب، أو يشفع لهم عند الله لتخفيفه عنهم، بل هم خالدون في النار أبد الآباد، لا سبيل لنجاتهم أصلا.
ربنا بعدنا عن سخطك وغضبك، وأحينا وأمتنا على مقتضى إرادتك ورضاك وارزقنا في النشأة الأخرى لقياك، إنك على ما تشاء قدير.
وكيف يسع لأحد من المخلوقات أن يشفع عنده سبحانه لعصاة عباده أو ينصرهم في الأنقاذ عن عذابه بعدما ثبت جرائمهم في حضرة علمه وتعلق إرادته بأخذهم على ظلمهم؟!.
Page inconnue