Tafsir
تفسير الجيلاني
ثم قال سبحانه: { و } اذكر يا أكمل الرسل لمن أشرك بالله، وأثبت له شريكا في الوجود سواه { يوم يناديهم } الله المتعزز برداء العظمة والكبرياء حين ظهر على مظاهره باسم القهار، المفني لأظلال السوى والأغيار مطلقا { فيقول } على مقتضى غيرته وجلاله مخاطبا لمن أشرك به شيئا من عكوسه وأظلاله، مع أن الكل حنيئذ مطموس مقهور تحت حوله وقدرته: { أين شركآئي الذين كنتم تزعمون } [القصص: 62] أيها المشركون شركائي، وتعبدونهم كعبادتي عدوانا وظلما؟! ثم أظهرهم الحق وأوجدهم؛ أي: التابعين والمتبوعين جميعا بعدما قهرهم وعذبهم جميعا؛ إظهارا للقدرة الكاملة، وإلزاما للحجة البالغة.
وبعدما أظهرهم وسأل عنهم { قال الذين حق } أي: ثبت وتوجه { عليهم القول } أي: السؤال من الله، وهم الشياطين المعبودون مناجين نحو الحق، متضرعين قائلين: { ربنا } يا من ربانا على فطرة التوحيد، كيف صدر منا أمثال هذه الجرأة؟! بل { هؤلاء } الغواة الهالكون في تيه الغي والضلال هم { الذين أغوينآ } عن منهج الاستقامة والسداد بأنواع التذلل والانقياد، والإطاعة والعبادة إيانا على مقتضى أهويتهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، مع أنا لا نستحق بها على توهم منهم إنا قادرون على إنجاح ما في نفوسهم من الأماني والشهوات.
ونحن أيضا { أغويناهم } بأنواع التغرير والتضليل { كما غوينا } هؤلاء إيانا بعبادتهم وطاعتهم نحونا، فتعارض إغواؤنا بإغوائهم، وحين ظهر الحق تساطقا، فالآن { تبرأنآ } عنهم وعن عبادتهم، والتجأنا { إليك } تائبين آيبين، مع أنهم { ما كانوا إيانا يعبدون } [القصص: 63] حين ادعوا عبادتنا، بل إنما عبدوا أهوية نفوسهم، وأماني قلوبهم، وتوسلوا بنا فيها، والعابدون أيضا يتبرؤون عن معبوداتهم بأشد من ذلك.
[28.64-70]
{ وقيل } حينئذ من قبل الحق للمشركين: { ادعوا شركآءكم } الذين تطمعون وتدعون شفاعتهم لكم { فدعوهم } صائحين متضرعين { فلم يستجيبوا لهم } من كمال عجزهم وحيرتهم في أمر أنفسهم { و } بعدما { رأوا العذاب } النازل على أربابهم قالوا متمنين على سبيل التلهف والتحسر: { لو أنهم كانوا يهتدون } [القصص: 64] في النشأة الأولى لينقذوا أنفسهم من العذاب اليوم، فكيف: إنقاذهم بنا؟!.
{ و } بعدما سأل سبحانه عن شركهم سألهم عن تكذيب رسله، اذكر لهم يا أكمل الرسل { يوم يناديهم } الحق { فيقول } سبحانه معاتبا إياهم: { ماذآ أجبتم المرسلين } [القصص: 65] حين دعوتكم إلى الإيمان والتوحيد، والعمل الصالح والاجتناب عن المحظورات وترك المنكرات { فعميت عليهم الأنبآء يومئذ } يعني: ضلوا وتحيروا عن جميع طرق الكلام، وسدت عليهم سبل الأجوبة والإخبار مطلقا؛ وذلك من كمال دهشتهم وحيرتهم، وشدة عمههم وسكرتهم { فهم } يومئذ من غاية ولههم وحيرتهم { لا يتسآءلون } [القصص: 66] ولا تقاولون؛ أي: لا يسأل بعضهم بعضا حتى يعلمه، بل كلهم حينئذ حيارى سكارى، تائهين هائمين، لا يسمع لهم ولا يتأتى منهم الالتفات والتلقي أصلا.
{ فأما من تاب } عما جرى عليه من المعاصي { وآمن } بالله على مقتضى ما أمرهم الحق بلسان رسله وأنبيائه { وعمل } عملا { صالحا } امتثالا لما نطق به الكتب والرسل { فعسى أن يكون } هذا السعيد { من المفلحين } [القصص: 67] الفائزين بالمثوبة العظمى والدرجة العليا عند الله، ومن المبشرين من عنده بشرف اللقاء، والوصول إلى دار البقاء.
{ وربك } يا أكمل الرسل { ما يشآء } ويظهر بمقتضى تجلياته الحبية الجمالية جميع { يخلق } من المظاهر { ويختار } منها ما يختار، فالكل مجبور تحت قدرته ومشيئته { ما كان } أي: ما صح وثبت { لهم الخيرة } أي: التخير والاختيار؛ حتى يريدوا لأنفسهم ما هو الأصلح لهم، بل جميع شئونهم وأمورهم مفوضة إلى الله أولا وبالذات، وهم مقهورون مجبورون تحت حكمه وقضائه، وكيف لا يكونوا مجبورين؛ إذ هم من عكوس أسمائه وظلال أوصافه، ما لهم وجود في أنفسهم، وتحقق في ذواتهم؟! { سبحان الله } المنزه عن المثل والشبيه { وتعالى عما يشركون } [القصص: 68] من الشريك والنظير.
{ وربك } يا أكمل الرسل { يعلم } بعلمه الحضوري { ما تكن } وتخفي { صدورهم } أي: ضمائرهم وقلوبهم { وما يعلنون } [القصص: 69] بجوارحهم وآلاتهم.
{ و } كيف يخفى عليه شيء؛ إذ { هو الله } الواجب لذاته، المستقل في وجوده وظهوره على عروش عموم مظاهره ومصنوعاته بالاستقلال التام والاستيلاء الكامل { لا إله } في الوجود سواه، ولا عالم لما ظهر وبطن { إلا هو } لذلك ثبت { له الحمد } والثناء من ألسنة ذرائر الأكوان، وجميع من رش عليه من رشحات جوده ولمعات وجوده { في الأولى والآخرة } من نشأتي الظهور والخفاء، والبروز والكمون، والقبض والبسط { وله الحكم } والأمر في الصعود والهبوط، والنزول والعروج، وجميع الشئون والتطورات { و } بالجملة: { إليه } لا إلى غيره؛ إذ لا غير في الوجود { ترجعون } [القصص: 70] وتحشرون، كما أن منه تبدؤون وتنشؤون؟!.
Page inconnue