Tafsir
تفسير الجيلاني
{ و } بعدما سكنت من البوح والنوح والإظهار { قالت لأخته } أي: مريم أخت موسى: { قصيه } أي: اتبعي أثره وتتبعي أمره؛ كي تدرك إلى ما فعلوا معه فذهبت بأمرها { فبصرت به } أي: موسى { عن جنب } بعد { و } أخفت حالها عنهم إلى حيث { هم لا يشعرون } [القصص: 11] بقرابتها إياه، وهم بعدما اتفقوا على حفظه، وتركوا قتله أرادوا أن يرضعوه فطلبوا المرضة؛ لحضانته ورضاعته.
{ و } قد كنا من متانة حكمنا وحكمتنا { حرمنا عليه المراضع من قبل } أي: قبل إلقائه أمه في البحر، وحين عهدنا مع أمه برده إياها بقولنا:
إنا رآدوه إليك
[القصص: 7] فأحضروا مراضع كثيرة فأبى موسى عن مصهن، فتحيروا في أمره { فقالت } مريم بعدما انتهزت فرصة: { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } إن ابتغيتم المرضعة { وهم } أي: أهل ذلك البيت { له ناصحون } [القصص: 12] إلى أن كبر، بحيث لا يغفل من تربيته وحفظه.
فلما سمع هامان منها ما سمع قال: إنها قد عرفت أهله ومنشأه، خذوها حتى تخبر ما حاله؟ قالت مريم: إنما أردت، وهم للملك ناصحون فأمرها فرعون بإتيانها، فأتت بأمها وموسى على يدي فرعون يبيكي ويصيح، فلما شم ريح أمه استأنس، والتقم ثديها ومص بلا إباء، فقال لها فرعون: من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح واللبن، لا أوتي بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها وعين أجرة حضانتها ورضاعتها، فذهب به إلى بيتها من يومه.
كما قال سبحانه: { فرددناه } في يوم إلقائه في البحر { إلى أمه } إيفاء لوعدنا إياها { كي تقر } وتنور { عينها } بولدها { و } بعدما رددناه إليها ألهمنا لها أن { لا تحزن } بعد اليوم، وتثق بوعدنا إياك { ولتعلم أن وعد الله } القادر على إيفاء العهدو { حق } ثابت مطابق للواقع، فكما أوفى سبحانه وعد رده إليك يوفي وعد رسالته ونبوته أيضا بلا خلف منه، فعليك أن تثقي بالله وتفوضي أمره إليه، فإنه سبحانه يكفي مؤونة شرور أعدائه ويوصل إلى منتهى ما جبله لأجله؛ إذ هو قادر غالب على كل ما أراد وشاء { ولكن أكثرهم } أي: أكثر الناس { لا يعلمون } [القصص: 13] كمال قدرته وحكمته.
[28.14-17]
{ ولما } ربته أمه، وأحسنت تربيته بمعاونة عدوه إلى أن { بلغ أشده } كمال قوته في نشوئه ونمائه { واستوى } أي: كمل وتم عقله ورشده إلى أن صلح لحمل أعباء الرسالة { آتيناه } من كمال جودنا إيفاء لما وعدنا له في سابق علمنا، وكتبنا لأجله في لوح قضائنا { حكما } نبوة ورسالة؛ ليضبط به ظواهر الأحكام بين الأنام { وعلما } لدنيا متعلقا بمعرفة ذات الحق المتصف بجلائل الأوصاف والأسماء، وبمعرفة توحيده وتنزهه عن سمة الكثرة مطلقا { وكذلك } أي: مثل ما جزينا موسى { نجزي } عموم { المحسنين } [القصص: 14] من خلص عبادنا البالغين رتبة الإحسان؛ لأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه؛ إنما أتى بلفظ الماضي مع أنه إنما أرسل بعدما هاجر من بينهم إلى مدين تلميذ شعيب عليه السلام تنبيها على تحقق وقوعه.
{ و } بعدما بلغ أشده { دخل المدينة } أي: مصر { على حين غفلة من أهلها } لأنهم لا يترقبونه في ذلك الوقت، قيل: هو وقت القيلولة، وقيل: وقت العشاء { فوجد } بعدما دخل { فيها رجلين يقتتلان } قتالا شديدا { هذا } أي: أحد المقاتلين { من شيعته } أي: بني إسرائيل { وهذا } أي: الآخر { من عدوه } وبعدما وصل موسى إليهما { فاستغاثه } أي: طلب منه الغوب والإغاثة، الرجل { الذي من شيعته } هو { على } الرجل { الذي } هو { من عدوه } لأن العدو غالب عليه، وبعدما وجد موسى صديقه مظلوما مغلوبا.
{ فوكزه } أي: العدو { موسى } أي: ضم أصابعه ومجتمعة مقبوضة فضرب بها العدو مرة { فقضى عليه } أي: هلك: وانفصل روحه بوكزة واحدة فخجل من فعله هذا، واسترجع إلى الله مستحييا منه سبحانه، حيث { قال هذا } أي: ما جئت به من الفعلة الشنيعة { من عمل الشيطان } إذ هو يغريني عليه { إنه } أي: الشيطان المغري المغوي { عدو } لأهل الحق وأرباب اليقين { مضل } لهم يضلهم عن الطريق المستبين { مبين } [القصص: 15] ظاهر العداوة والضلالة بالنسبة إلى أرباب الرشد والكمال.
Page inconnue