التصوف - المنشأ والمصادر
التصوف - المنشأ والمصادر
Maison d'édition
إدارة ترجمان السنة
Numéro d'édition
الأولى
Année de publication
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م
Lieu d'édition
لاهور - باكستان
Genres
وقوانينها الأخلاقية، ولربما كان النساك الذين وجدوا في العالم قبل المسيحية أمثال سرابيس Serapis في مصر أو جماعات الإسنيين في بلاد اليهود قد نقلوا إلى أنطونيوس وباخوم المثل العليا للحياة الدينية الصارمة وأساليب هذه الحياة. وكان الكثيرون من الناس يرون في الرهبنة ملاذًا من الفوضى والحرب اللذين أعقبا غارات المتبربرين، فلم يكن في الدير ولا في الصومعة الصحراوية ضرائب، أو خدمة عسكرية، أو منازعات حربية، أو كدح ممل. ولم يكن يطلب إلى الراهب ما يطلب إلى القسيس من مراسم قبل رسامته، وكان يوقن أنه سوف يحظى بالسعادة الأبدية بعد سنين قليلة من حياة السلام.
ويكاد مناخ مصر أن يغري الناس بحياة الأديرة، ولهذا غصت بالبرهان النساك الفرادى والمتجمعين في الأديرة يعيشون في عزلة كما كان يعيش أنطونيوس، أو جماعات كما كان يعيش باخوم في تابن Tabenne وأنشئت الأديرة للرجال والنساء على طول ضفتي النيل، وكان بعضها يحتوي نحو ثلاثمئة من الرهبان والراهبات. وكان أنطونيوس (٢٥١ - ٣٥٦) أشهر النساك الفرادى، وقد أخذ ينتقل من عزلة حتى استقر به المقام على جبل القلزم القريب من شاطئ البحر الأحمر. وعرف مكانه المعجبون به فحذوا حذوه في تعبده ونسكه، وبنوا صوامعهم في أقرب مكان منه سمح لهم به، حتى امتلأت الصحراء قبل موته بأبنائه الروحيين. وقلما كان يغتسل، وطالت حياته حتى بلغ مائة وخمسًا من السنين، ورفض دعوة وجهها إليه قسطنطين ولكنه سافر إلى الإسكندرية في سن التسعين ليؤيد أثناسيوس ضد اتباع أريوس، وكان يليه في شهرته باخوم الذي أنشأ في عام ٣٢٥ تسعة أديرة للرجال وديرًا واحدًا للنساء. وكان سبعة آلاف من أتباعه الرهبان يجتمعون أحيانا ليحتفلوا بيوم من الأيام المقدسة، وكان أولئك الرهبان المجتمعون يعملون ويصلون، ويركبون القوارب في النيل من حين إلى حين ليذهبوا إلى الإسكندرية حيث يبيعون ما لديهم من البضائع ويشترون حاجياتهم ويشتركون في المعارك الكنسية - السياسية.
ونشأت بين النساك الفرادى منافسة قوية في بطولة النسك يتحدث عنها دوشين Abbe Duchesne بقوله إن مكاريوس الإسكندري (لم يكن يسمع بعمل من أعمال الزهد إلا حاول أن يأتي بأعظم منه)، فإذا امتنع غيره من الرهبان عن أكل الطعام المطبوخ في الصوم الكبير امتنع هو عن أكله سبع سنين، وإذا عاقب بعضهم أنفسهم بالامتناع عن النوم شوهد مكاريوس وهو (يبذل جهد المستميت لكي يظل مستيقظًا عشرين ليلة متتابعة) وحدث مرة في صوم كبير أن ظل واقفا طوال هذا الصوم ليلا
1 / 67