Sirat Muluk Tabacina
سيرة الملوك التباعنة: في ثلاثين فصلا
Genres
هنا أطلعت من خباء هودجها مشيرة إلى رئيس حرسها، مطالبة بالإبطاء حتى يتاح لها أن ترى كل شيء في المدينة وأن تملأ عينيها من جمالها، مستنشقة تلك العطور الذكية التي استرخت لها ملامحها، إلى حد أنساها كل توتر صاحب مهمتها العسيرة التي قدمت من أجلها وتحملت بسببها كل تلك المشاق.
تحسست قارورة سمومها التي خبأتها بين طيات شعرها العسجدي، متنهدة مشيحة ببصرها إلى حيث قصر التبع ذو اليزن: وصلنا.
إلى أن حانت لحظة لقاء الملك التبع ذو اليزن بجارية ملك الحبشة «سيف أرعد» عقب سلسلة طويلة من لقاءات رجاله بها لمعرفة غرضها من تلك الزيارة، وأخصهم وزيره الحكيم «يثرب»، الذي أشار عليه بمقابلتها بعدما أعجب بجمالها الباهر ورجاحة عقلها وفصاحتها: أشهد أنني لم ألتق قبلها بأروع وأفصح من تلك السيدة المتعالية المتوقدة الذكاء.
وكان أن أشار الملك ذو اليزن بإدخالها، حتى إذا ما تصافحا، وقدمت إليه قمرية رسائل ملك الحبشة، وفضها مسرعا، قاربها مادا إليها يده في ثقة، مما دفع بها إلى التراجع، وهو يواصل الخطو باتجاهها مبتسما قليلا، ثم اتجه بيده مشيرا إلى جدائل شعرها العسجدي المنسدل، مما دفع بقمرية إلى أن ترفع يدها إلى شعرها، مخرجة من فورها قارورة السم الضاربة الاخضرار من بين جدائل شعرها حيث تخبئها. - ها هي!
ناولتها له مطرقة مستسلمة في صمت حط عليها من بالغ انبهارها بالملك التبع ذي اليزن. - مولاي.
أجلسها الملك على مقربة من فرشه. - استريحي.
وامتد الحديث بينهما صافيا متوقدا، دون أي شائبة أو خداع وكأنهما على معرفة وثيقة أحدهما بالآخر منذ زمن طويل.
تحادثا فيما يحدث ويجري على طول القارة السوداء بكياناتها وأقوامها المختلفة في مصر والمغرب الكبير والقرن الأفريقي ونيجيريا وبلاد الحبشة.
وأفاضت معه قمرية في حديث عميق عن الماء والتربة والأنهار وأخصها النيل كما استحوذت على إعجاب التبع حين تعرج الحديث بينهما عن تباعنة اليمن واهتماماتهم بالسدود ومجاري الماء منذ «عبد شمس بن سبأ» وسده الشهير بسد مأرب.
كما تطابق رأيهما على كراهية الحروب والعدوان التي لا تحقق سوى قتل الأبرياء من الناس الآمنين. - فيكفي الناس ما هم فيه من آلام وتطاحن يومي. - أجل، أجل، فالحياة ذاتها تقتلنا يوما إثر يوم.
Page inconnue