فالذاتى للشىء لا يكون له بعلة خارجة عن ذاته؛ وما يكون بعلة خارجة فليس مقوما ذاتيا؛ وإن كان قد يكون من العرضى ما حصوله ليس بعلة خارجة عن الماهية، والخاصة والعرض فرق، ولا يكون بينه وبين الشخص فرق، إلا أن نضمن أنه كلى بهذه الصة؛ وأيضا فإنه لا يكون بينه وبين فصل الجنس فرق. والذى حد وقال: إن النوع هو أخص كليين مقولين فى جواب ما هو، فقد أحسن تحديد النوع؛ وإنما يتم حسنه بأن يقال: إنه الكلى الأخص من كليين مقول فى جواب ما هو؛ تعلم ذلك إذا تدربت بالأصول والمواضع المقررة للحدود. فنقول الآن: الجنس منه ما يكون جنسا، ولا يصلح أن ينقلب باعتبار آخر نوعا؛ إذ لا يكون فوقه جنس أعم منه؛ ومنه ما يصلح أن يكون نوعا باعتبار آخر إذ يكون فوقه جنس أعم منه. وكذلك النوع منه ما يكون نوعا ولا يصلح أن ينقلب جنسا؛ إذ لا يكون تحته نوع أخص منه؛ ومنه ما يصلح أن ينقلب جنسا باعتبار آخر؛ إذ لا يكون تحته نوع أخص منه. فنرتب للجنس مراتب ثلاثا: جنس عال ليس بنوع ألبتة، وجنس متوسط هو نوع وجنس وتحته أجناس، وجنس سافل هو نوع وجنس ليس تحته جنس. وكذلك يكون فى باب النوع: نوع سافل ليس تحته نوع ألبتة، فليس بجنس ألبتة، ونوع عال تحت جنس الأجناس الذى ليس بنوع ألبتة، ونوع متوسط هو نوع وجنس وجنسه نوع؛ والمثال المشهور لهذا هو من مقولة الجوهر؛ فإن الجوهر جنس لا جنس فوقه، وتحته الجسم، وتحت الجسم الجسم ذو النفس؛ وتحت الجسم ذى النفس الحيوان، وتحت الحيوان الحيوان الناطق، وتحت الحيوان الناطق الإنسان، وتحت الإنسان زيد وعمرو، فزيد وعمرو وأشكالهما هى الأشخاص. والجوهر هو جنس الأجناس، إذ ليس فوقه جنس؛ والإنسان هو نوع الأنواع، إذ ليس تحته نوع؛ وما بينهما أجناس وأنواع متوسطة؛ فإنها بالقياس إلى ما تحتها أجناس،وبالقياس إلى ما فوقها أنواع؛ فإن الجسم نوع الجوهر وجنس للجسم ذى النفس، والجسم ذو النفس نوع الجسم وجنس الحى؛ لأنه يعم النبات والحى، والحى نوع الجسم ذى النفس وجنس للحى الناطق لأنه يعم الحيوانات العجم والإنسان، والحى الناطق نوع الحى وجنس الإنسان؛ لأنه يعم الإنسان والملك؛ فيكون الحى الناطق هو الجنس السافل، والجوهر هو الجنس العالى،والجسم وما يليه هو الجنس المتوسط، ويكون الجسم هو النوع العالى، ويكون الإنسان هو النوع السافل، ويكون الجسم ذو النفس وما يليه النوع المتوسط، ويكون الجوهر بالقياس إلى ما تحته جنس الأجناس والجنس العالى، وبأنه لا يقاس إلى ما فوقه يكون جنسا ليس بنوع، ويكون الإنسان بالقياس إلى ما فوقه نوع الأنواع والنوع السافل، وأما بقياسه إلى ما تحته فهو أنه نوع ليس بجنس، وقياسه إلى ما تحته على وجهين: قياس إلى ما تحته من حيث هو مخمول عليها الحمل المعلوم، وقياس إلى ما تحته باعتبار أنها ليست بأنواع. وقياسه إلى ما تحته من حيث الحمل يفيده معنى النوعية غير المضافة إلى الجنس، وهو المعنى الثانى مما ذكروه. وأما قياسه بالاعتبار الآخر فيفيده أنه نوع ليس بجنس: فهو نوع الأنواع، ونوع ليس بجنس، ونوع بالمعنى المذكور؛ ومفهومات هذه الثلاثة - وإن تلازمت - وإذ لا مذهب غير هذه الثلاثة، والثلاثة إما أن تجعل الزمان جوهرا؛ وإما أن تجعله بحيث يحد بحد العرض؛ فهذا القول لا يعتد به.وكذلك احتج هؤلاء وقالوا: إن حد العرض لا يتناول الأين؛ فإن الكون فى السوق معنى واحد، ويشترك فيه كثيرون، فلا يصلح أن يكون كل واحد منهم موضوعا له؛ ولا الجملة، وإلا لما وصف به إلا الجملة. لكن الجواب عن ذلك هو هذا الجواب نفسه؛ فإن السوق، وإن كان واحدا للجميع، لأنه ليس المكان الحقيقى فتمتنع الشركة فيه، بل هو من قبيل المكان العام، فإن لكل واحد كونا فيه يخصه دون الآخر؛ إذ ليس السوق أينا؛ بل السوق من مقولة الجوهر. على أنهم إن مثلوا للمكان المكان الذى هو من مقولة العرض لم يمكنهم أن يجعلوا فيه عدة أشياء. إنما الأين، إن كان ولا بد، فهو النسبة إلى السوق؛ ولكل من الذين فى السوق نسبة تخصه توافق النسبة الأخرى بالنوع وتخالفه بالعدد؛ واعتبارنا ههنا بالواحد بالعدد دون الواحد بالنوع. قالوا أيضا: إن المضاف ليس يوجد إلا فى موضوعين، فليس موجودا فى شىء، ولكن فى شيئين. وقالوا أيضا: إن التسلح معنى لا فى موضوع، إذ هو فى موضوعين، لأن موضوعه السلاح واللابس؛ فنقول: أما المضاف فليس على ما خمنوا فيه. أما أولا فلأن كون الشىء فى شيئين قد لا يمنع كونه فى كل واحد منهما؛ وإذا كان لا يمنع كونه فى كل واحد منهما، فليس كونه فى شيئين رافعا كونه فى شىء؛ فإنه لم يقل: فى شىء واحد فقط؛ كما أن كون الأب أبا لابنين لا يمنع كونه أبا لابن واحد؛ وكون الحيوان مقولا على أشياء لا يمنع كونه مقولا على كل واحد. نعم فى بعض الأشياء قد يكون الوجود فى الكثرة بحيث يمتنع أن يكون فى الواحد مع تلك الكثرة؛ فهنالك لا يكون الموجود فى أشياء موجودا فى شىء واحد.
والفرق بين الموجود فى موضوع من جهة أنه موجود فى شىء وبين كون الكل فى الأجزاء أن الكل يكون فى أشياء ولا يكون فى شىء واحد منها البتة. وأما الموجود فى موضوع فليس يبعد أن يكون موجودا فى موضوعات؛ ولكنه يكون مع ذلك فى موضوع موضوع منها؛ ولا تمانع بين الحالين. فهذا إن كان ما ذهبوا إليه، من أمر وجود إضافة واحدة بالعدد مشتركة بين متضايفين اثنين بالعدد، مذهبا صحيحا. وأما الحق فسينكشف عن خلاف ذلك، وسنبين كيفيته فى مواضع نتكلم فيها فى المضاف.
وأما التسلح وما تعلقوا به فيه فالجواب عنه أن التسلح نسبة وحالة للابس عند السلاح يوصف بها المتسلح، فيقال إنه متسلح بتسلح هو وصف له؛ وإن كان بالنسبة إلى غيره. فالتسلح، وإن كان بالنسبة إلى الغير، فليس يجب أن يكون فى ذلك الغير. ففرق بين الوجود فى الشىء وبين النسبة إلى الشىء. فلا معونة لمثل هذه الهذيانات فى أن يقال إن العرض ليس بجنس، وإن كان الحق هو أن العرض ليس بجنس.
Page 69