من الجماعات جماعات عاجزة لا تعرف حاجاتها وكمالياتها، أو تعرف ولا تهتم بأن تفعل، أو تهتم ولا تعمل. ومنها جماعات قادرة تدرك فتعنى فتعمل، والماضي والحاضر شهيدان على ما أقول. الجماعة القادرة تطلب العلم وتبحث فيكشف لها عن كثير من حقائق الكون وأسراره، فتعلم أنها تستطيع أن تنتفع بحقيقة من الحقائق في مرفق من مرافق العيش، فتجد في أنفسها من الهمم ما يدعوها إلى العمل، ومن العزيمة ما يستجيب لهذه الدعوة، ومن الخلق والنظام ما يكفل التدبير والتوسل والإعداد والتعاون والدأب والصبر، حتى تبلغ الغاية، فليس بين إدراكها الأشياء وانتفاعها بها إلا سلسلة متصلة محكمة من الهمة والعزيمة والإعداد والعمل والدأب ... وهلم جرا. مقدمات متتابعة تفضي إلى نتائجها لا محالة؛ في العظائم والصغائر. والجماعات العاجزة جاهلة بحقائق الأشياء أنى تتوجه إليها، أو عالمة والنفوس هامدة، والهمم قاعدة، فلا يحركها العلم إلى الطلب، أو ليس لها من الهمم ما يجعلها تطمح وتهم وتعزم، أو ليس لها من الخلق ما يجمع كلمتها ويؤلف بين عقولها وأيديها لتعمل، أو ليس عندها من النظام ما يهيئ لها السير المتصل الدائم، أو ليس فيها من الدأب ما يوالي سيرها إلى الغاية أو يعوزها الصبر إذا طالت الطريق وبعدت الشقة وصعب المسير، فتراها تأخذ مقدمة فلا تثبت عليها أو لا تصلها بمقدمة أخرى، فتنقطع بها الأسباب بين علمها وعملها، وبين العمل ونتائجه.
وعمل زعماء الأمم والمصلحين فيها أن يعلموها ويصلوا العلم بالعمل، والعمل بالنتائج في سلسلة من الأخلاق وحلقات من الوسائل المحكمة والتدبير الصحيح. وليس هذا يسيرا، إنه بعث الأمم من رقدتها وإيقاظها من سباتها.
الثلاثاء 4 صفر/14 نوفمبر
الغفلة
الأفلاك متحركة، والأرض دائرة، والرياح لا تستقر، والأنهار والبحار لا تسكن، والليل والنهار لا يفتران، والنبات في نمو واهتزاز، والحيوان في حركة دائبة؛ حركة الأعضاء الظاهرة والباطنة وحركة الخلايا. بل ذرات الجماد في هياج وتقلب لا يسكنان.
فإن غفل الإنسان، وكل شيء حوله في حركة وعمل، فقد تخلف؛ تخلف عما ينبغي له من عمل وتخلف عما يجدر به من تقدم في الفكر والخلق والسعي، وخمد عقله، وضعف جسمه ولم يساير القوانين المحيطة به، فهو في الإنسانية دون منزلته، وهو في جماعته دون درجته، وهو في عمله مقصر، وهو في نفسه لا يبلغ ما ينبغي له من الكمال في العلم والفكر والعاطفة.
فالغفلة - نعوذ بالله منها - حجاب بين الإنسان وبين إدراكه وإلهامه والدعوة التي تبلغه من كل جانب؛ الدعوة إلى العمل والسعي والجد والدأب، وإلى الكف عن الفساد والأذى، وكل ما يهين النفس ويشينها. الغفلة درجة من الموت لو برئت من الإفساد والإضرار، وقد جاء في القرآن الكريم:
لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل
ثم جمع هذا كله في خاتمة الآية:
أولئك هم الغافلون . وفي آية أخرى جمع هذه الأحوال التي تحجب الإنسان عن الدعوة الإلهية المستمرة - الدعوة إلى التكمل والتقدم، والجهاد في الأرض بالحق - بقوله:
Page inconnue