أعز الناس
روي أن الكسائي مؤدب الأمين والمأمون ولدي هارون الرشيد، فرغ من مجلس التأديب يوما فتهيأ للخروج، فتنافس الأمين والمأمون في تقديم نعليه، وتسابقا.
وحضر الكسائي مجلس المأمون من بعد، فسأله الخليفة: من أعز الناس؟ قال: أنت يا أمير المؤمنين. قال المأمون: لا، أعز الناس من يستبق وليا عهد المسلمين إلى تقديم نعليه إليه. قال الكسائي: ما رضيت بهذا، ولقد نهيتهما يا أمير المؤمنين. قال المأمون: لو منعتهما لأسخطتني، حذار أن تصدهما عن مكرمة يتنافسان فيها.
ولقد رأيت في صباي طلبة الأزهر يتداولون أيدي شيوخهم بالتقبيل بعد كل درس، وشهدتهم يتنافسون في حمل نعال الشيوخ إلى باب المسجد. هكذا كان إكبار التلاميذ أساتذتهم، وكذلك كانت المحبة والحرمة بين الشيوخ والطلاب.
فماذا نرى اليوم؟ نرى شيوخا وطلابا ليس بينهم إلا أن الأولين يلقون كلمات يؤجرون عليها، وهم في هذا الأجر متنافسون متشاكسون، وأن الطلاب يستمعون إلى كلمات كأنهم مكرهون على الاستماع إليها، لا يبالونها إلا بمقدار ما تجوز بهم امتحانا وتؤدي بهم إلى شهادة فوظيفة. لا محبة ولا حرمة ولا أدب إلا قليلا. فلتنظر الأمة أين تسير، ولينظر القوم على التعليم ليحولوا هذه الجماعات المحشودة في المدارس، وهذه الأوراق المكدسة بينهم إلى شيوخ وتلاميذ، ومعلمين ومتعلمين، وآباء وأبناء، وليجتهدوا أن يخلقوا أرواحا في هذه الأشباح.
الخميس 17 ذي القعدة/31 أغسطس
أشبه من الغراب بالغراب
يرى الإنسان جماعة من أمة واحدة فيراهم متشابهين وبينهم في الحقيقة فروق كبيرة يدركها بنو جلدتهم، ويرى الرائي أخوة فيشتبه عليه أحدهم بالآخر؛ ولكن لا يشتبه أمرهم على أقربائهم.
ويرى الإنسان قطيعا من الغنم أو البقر فيعسر عليه أن يميز بعضها من بعض، فإذا عرضت عليه واحدة فتأملها ثم اختلطت بأخواتها، عسر عليه تمييزها، وهي عند راعيها معروفة لا يشتبه عليه بعضها ببعض.
وقد رأيت عجولا كثيرا أطلقت من حظيرتها لترضع أماتها، فجرى كل عجل إلى أمه لم يشتبه عليها ولم تشتبه عليه، وكانت العجول في رأي العين متشابهة والبقر متشابها.
Page inconnue