ولم يكمل عبارته؛ لأن حراس السجن دخلوا في تلك اللحظة يجرون «روداس» وقد تدلت ذراعاه، وقدماه تكنسان الأرض، كالخرقة، أو كوشاح مصارع الثيران.
وسأل المدعي العام الرئيس الذي كان يبتسم للكاتب وسوطه معلق حول عنقه كذيل القرد: كم أعطيتموه؟ - مائتين. - حسنا ...
وأسرع الكاتب إلى نجدة المدعي العام، فتمتم وهو يدمج الكلمات في بعضها حتى لا يسمعه الآخرون: يجب إعطاؤه مائتين أخريين.
وعمل المدعي العام بنصيحته: «أجل أيها الريس، أعطه مائتين أخريين إلى أن أفرغ من هذا الولد.»
وجال في خاطر فاسكيز: «يا لأعصابه ... أجل إن هذا ما هو منتظر من شيخ مثله، وجهه كمقعد الدراجة!»
وعاد الحراس أدراجهم يجرون حملهم البائس يتبعهم رئيسهم. وألقوا به على حشية في ركن الحجرة حيث ينفذون العقوبة. وأمسك أربعة منهم بيديه وقدميه، بينما أخذ الآخرون يضربونه، ورئيسهم يحسب العدد. وتقلص جسد روداس مع الضربات الأولى، بيد أنه كان قد فقد قواه الآن ولم يعد يستطيع الجهاد ولا الصراخ من الألم كما فعل حين ضربوه في المرة الأولى منذ دقائق. وعلقت قطرات جامدة من دماء الجروح التي خلفتها دورة الضرب الأولى، بعصا الخيزران الرطيبة المرنة ذات اللون الأصفر المخضوضر. وكانت آخر شكواه صرخات مخنوقة كالحيوان الذي يحتضر دون أن يحس بآلامه. ودفن وجهه في الحشية وقد تقلصت قسماته وتهوش شعره. واختلطت صرخاته الثاقبة مع لهثات الحراس الذين كان رئيسهم يعاقبهم بسوطه كلما تهاونوا في الضرب. - «إن مهمتنا تكون سهلة يا لوسيو فاسكيز إذا أطلقنا سراح أي مواطن يرتكب جريمة حين يؤكد بأنها بأوامر من السيد الرئيس! ما هو البرهان؟ إن السيد الرئيس ليس مجنونا كيما يصدر أمرا كهذا. أين هي الورقة التي يذكر فيها أنه أمرك بفعل ما فعلت ضد هذا البائس بمثل هذه الطريقة المجرمة الجبانة؟»
وشحب وجه فاسكيز، وبينما كان يبحث عن رد، وضع يديه المرتعشتين في جيبي بنطاله. - إنك تعلم أنه أمام المحاكم يجب أن تدعم أقوالك بالوثائق، وإلا فماذا يكون الوضع؟ أين هو ذلك الأمر؟ - حسنا، انظر، إنه ليس معي الآن. لقد أعدته لا بد أن يكون السيد الرئيس على علم بذلك.
ما هذا؟ ولماذا أعدته؟ - لأن الأمر كان مذيلا بعبارة تنص على أنه يجب إعادته بعد التنفيذ! لم يكن مسموحا لي بالاحتفاظ به ... أظن أنك تفهم. - ولا كلمة ... ولا كلمة زيادة! إنك تحاول خداعي بكلامك عن الرئيس. أيها اللص، إني لست طفلا لا أزال في المدرسة حتى أصدق كلاما فارغا كهذا أيها الوغد! إن إقرار المرء شيء، والدليل عليه شيء آخر، إلا في الحالات التي يحددها قانون العقوبات، ومنها شهادة رجال الشرطة التي تقوم مقام الدليل القاطع. ولكني لست بصدد إلقاء محاضرة عليك عن قانون العقوبات. هذا يكفي، يكفي؛ لقد قلت ما فيه الكفاية. - حسنا، إذا لم تكن تريد أن تصدقني، اذهب واسأله، ربما ستصدق ما يقوله لك. ربما لم أكن معك حين اتهم الشحاذون الأبله ... - اخرس، وإلا أمرت بضربك! يا للمهزلة إذ أتصور نفسي ذاهبا لسؤال السيد الرئيس! ... إن ما أقوله لك يا «فاسكيز» إنك تعلم عن الموضوع أكثر مما يحق لك، وإن رأسك في خطر!
وأحنى «لوسيو» رأسه كأنما قد قطعتها كلمات المدير العام. وكانت الرياح تزأر في غضب على نوافذ الحجرة.
الفصل الحادي والعشرون
Page inconnue