ورفعت مطرقة الباب إلى آخر مداها ثم تركتها تسقط عدة مرات. كانت مطرقة من النحاس على شكل راحة اليد. - لا بد أن الخدم نائمون، ورغم ذلك فقد كان لديهم متسع من الوقت لفتح الباب! كان والدي ينام بصعوبة، وهو على حق عندما كان يقول، بعد ليلة سيئة، آه لو كان بإمكاني فحسب أن أنام كما ينام الخدم!
كان نباح الكلب هو العلامة الوحيدة على الحياة في المنزل. كان نباحه يأتي أحيانا من الردهة، وأحيانا من الفناء. كان يهرع دون كلل هنا وهناك بينما ضربات المطرقة تنهال كالصخور على السكون المطبق الذي أخذ بخناق كميلة.
قالت دون أن تترك الباب: هذا غريب! لا شك أنهم نائمون، سوف أضرب بقوة أشد لأرى ما إذا كان ذلك يوقظهم.
تام - ترام - رام! تام - ترام - رام! - الآن سيحضرون. إنهم لم يسمعوا قبل ذلك بالتأكيد.
قال ذو الوجه الملائكي: يبدو أن الجيران هم الذين سيحضرون أولا!
ذلك أنهما رغم عدم تمكنهما من الرؤية وسط غبشة الظلام، قد سمعا صوت أبواب تفتح. - أرجو ألا يكون قد حدث شيء. - أوه كلا، اطرقي، اطرقي، لا تقلقي. - فلننتظر برهة لنرى إذا ما كانوا قادمين الآن.
وأخذت كميلة تعد في ذهنها لتقتل الوقت: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة، إحدى عشر، اثنا عشر، ثلاثة عشر، أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرون، واحد وعشرون، اثنان وعشرون، ثلاثة وعشرون، أربعة وعشرون، خمسة وعشرون ... - إنهم لن يأتوا! - ... ستة وعشرون، سبعة وعشرون، ثمانية وعشرون، تسعة وعشرون، ثلاثون، واحد وثلاثون، اثنان وثلاثون، ثلاثة وثلاثون، أربعة وثلاثون، خمسة وثلاثون ... كانت تشعر بالرعب من أن تصل إلى خمسين دون مجيب «... ستة وثلاثون، سبعة وثلاثون ... سبعة وثلاثون ... ثمانية وثلاثون.»
وفجأة، ودون أن تشعر بالسبب، أدركت أن ما قاله ذو الوجه الملائكي عن عمها «خوان» صحيح، وغلب عليها الحزن والرعب؛ فانطلقت تطرق الباب مرة وأخرى: تام - ترام - رام! إن هذا مستحيل. تام - ترام - رام! تامترا مرا متامترامرام - تامترامرام.
وكان الرد كسابقه: نباح الكلب المتواصل. أي ذنب جنته ولا تعرفه حتى لا يفتحوا لها الباب؟ وطرقت مرة أخرى. ووضعت أملا جديدا مع كل طرقة للمطرقة. ماذا سيكون مصيرها لو أنهم تركوها في الشارع؟ إن مجرد هذه الفكرة تجعل قواها تخور. وطرقت وطرقت. طرقت بعنف، كما لو كانت تطرق فوق رأس أعدى أعدائها. كانت تشعر بساقيها ثقيلتين، وطعم المرارة في فمها، وجفاف في لسانها، بينما اصطكت أسنانها من الخوف.
وسمع صرير نافذة تفتح فظنت أنها سمعت أصواتا. وعادت الحياة إلى جسمها كله. إنهم قادمون أخيرا، حمدالله. إنها ستكون سعيدة أن تترك هذا الرجل الذي تتوهج عيناه بنيران شيطانية كعيني القط - هذا الشخص الذي تشعر بالنفور منه رغم جماله الملائكي. وخلال هذه البرهة القصيرة، احتك عالم المنزل بعالم الطريق، الذي يفصل بينهما باب البيت، كأنهما نجمان يحترقان.
Page inconnue